قبل عامين. حكايات_ميراا
آدم توقف أمامها.
ظل ينظر إليها لعدة ثوانٍ طويلة.
ثم جلس هو الآخر.
لم ينطق أي منهما بكلمة.
لكن لأول مرة منذ عامين… لم يكن ابني خائفًا.
أغلقت شاشة المراقبة ونظرت إلى حسن.
قلت بحزم:
“مش عايز حد يكلمها… ولا يخوفها… ولا يعرفها أنا مين.”
نظر إليّ باستغراب.
ـ “يعني إيه؟”
قلت:
“أنا هروح لها بنفسي.”
—
في صباح اليوم التالي، نزلت إلى قسم خدمات الفندق دون حراس، ودون بدلة رسمية.
وجدتها تمسح إحدى النوافذ الكبيرة المطلة على النيل.
حين رأتني، ارتبكت.
وقالت بسرعة:
“لو حضرتك زعلان إني دخلت الأوضة… أنا آسفة جدًا.”
قلت بهدوء:
“أنقذتِ ابني.”
هزت رأسها.
“لا يا فندم… أنا معملتش حاجة.”
“بل عملتِ.”
سكتت لحظة، ثم قالت وهي تنظر إلى الأرض:
“الأطفال اللي زي آدم… مش محتاجين حد يجبرهم يتكلموا… محتاجين يحسوا إن الدنيا بطلت تخوفهم.”
تجمدت مكاني.
كانت تلك أول جملة أسمعها منذ عامين تبدو حقيقية.
سألتها:
“إزاي عرفتي؟”
تنهدت ببطء.
“أخويا يوسف… كان زيه.”
ثم سكتت.
ولم أطلب منها أن تكمل.
لكنها أكملت وحدها.
“كان مبيتكلمش… وكان بيحب الأرانب جدًا… وكنت كل يوم أعمله واحد من الفوطة علشان يضحك.”
ابتلعت ريقي.
“وبعدين؟”
أغمضت عينيها.
“غرق… وأنا عندي سبعتاشر سنة.”
ساد الصمت بيننا.
صمت ثقيل، لكنه لم يكن مؤلمًا بقدر ما كان صادقًا.
قلت لها:
“أنا مستعد أدفع أي مبلغ… بس ساعدي آدم.”
رفعت رأسها لأول مرة ونظرت في عيني مباشرة.
وقالت بهدوء أربكني:
“لو حضرتك فاكر إن الفلوس هي اللي هتخليه يرجع… يبقى حضرتك لسه متعرفوش.”
كانت أول مرة منذ سنوات يكلمني أحد بهذه الجرأة.
ولم أغضب.
لأنني أدركت أنها محقة.
—
بعد أسبوع، بدأت سارة تزور آدم ساعة واحدة كل يوم.
لم تكن تعطيه دروسًا.
لم تحمل ألعابًا باهظة.
كانت تأتي بمناديل ورقية… ومنشفة صغيرة… وفقاعات صابون… وألوان شمع.