في جنازة شاب
وبعد أن انتهت مراسم الدفن، وقف بين المعزّين يستقبل كلمات المواساة، لكن عقله كان مشغولًا بشيء واحد فقط.
وجه أخيه.
لم يستطع أن ينسى ملامحه التي رآها في القبر.
وبينما كان الجميع يبكون على الشاب الذي مات فجأة، كانت زوجته تقف بعيدًا، هادئة بشكل أثار انتباه أكثر من شخص.
لا دموع.
لا انهيار.
ولا حتى علامات صدمة.
رنّ هاتفها، فطلبت منها إحدى السيدات أن تتحدث مع أخ زوجها.
أخذت الهاتف وقالت بهدوء:
— أيوه؟
قال الأخ:
— عظّم الله أجرك.
ردّت ببرود:
— أجرنا وأجرك.
سكت للحظات، ثم قال:
— أنا عايز أسألك عن حاجة حصلت في المقبرة.
— إيه اللي حصل؟
قال وهو يتردد:
— لما كشفت عن وش أخويا قبل ما أدفنه… لقيته شبه وش…
توقّف فجأة.
فقالت بسرعة:
— وش مين؟!
لم يجب.
رفعت صوتها لأول مرة:
— إنت شفت إيه؟ قول!
قال:
— لقيت وشه شبه وش واحد أنا شفته قبل كده…
ساد الصمت بينهما.
ثم سألته بصوت متوتر:
— مين؟
أخذ نفسًا عميقًا وقال:
— شبه وش الراجل اللي دفنّاه من سبع سنين.
تجمّدت الزوجة في مكانها.
ولأول مرة منذ بداية العزاء، اختفى البرود من وجهها.
قالت بصوت منخفض:
— إنت… بتقول إيه؟
فأجابها:
— أنا مش بهزر. وش أخويا بعد ما مات كان بنفس العلامة الموجودة على جبين الراجل ده… نفس الجرح، ونفس الشامة.
ارتجفت يدها وسقط الهاتف من بين أصابعها.
لكن قبل أن تنحني لالتقاطه، ظهر على شاشة الهاتف اتصال وارد…
من رقم زوجها المتوفى.
تراجعت خطوة إلى الخلف، وحدقت في الشاشة وهي ترتجف.
رنّ الهاتف مرة…
ثم مرة ثانية…
ثم جاءت رسالة قصيرة:
“أنا لسه ما متّش.”وقفت الزوجة مكانها وكأن الأرض تجمّدت تحت قدميها.
حدّقت في الرسالة عشرات الثواني، ثم رفعت عينيها ببطء نحو أخيه الذي كان لا يزال واقفًا أمامها.
— إنت… بعتلي الرسالة دي؟
قطّب حاجبيه.
— رسالة إيه؟
رفعت الهاتف أمامه.
لكن قبل أن يمد يده، اختفت الرسالة من الشاشة.
ثم اختفى الرقم أيضًا.
قالت وهي تلهث:
— كانت هنا… والله كانت هنا!
نظر إليها أخو زوجها بقلق.
— إنتِ كويسة؟
لم تجبه.
كانت عيناها معلقتين بشيء خلفه.
شيء لم يره هو.
رجل يقف بعيدًا بين المعزين.
كان يرتدي نفس الملابس التي دُفن بها زوجها.
صرخت فجأة:
— هو!
استدار الأخ بسرعة.