تناولت العروس حكايات ميراا
تمت. 🌿بعد ثلاثين عامًا…
كانت السماء تمطر مطرًا خفيفًا…
وفي نفس اليوم من كل عام، كانت مريم تزور قبر الحاج فؤاد.
وضعت باقة من الزهور البيضاء، وجلست أمام شاهد القبر، وابتسمت وهي تقول:
“وحشتني يا بابا…”
لم تبكِ.
فقد تعلمت منه أن الدعاء أجمل من الدموع.
قرأت الفاتحة، ثم نهضت لتغادر.
لكنها لاحظت فتاة في أوائل العشرينات تقف أمام قبر الحاج فؤاد، وهي تبكي بحرقة.
اقتربت منها وسألتها بلطف:
“تعرفيه؟”
هزت الفتاة رأسها.
وقالت:
“أنا معرفتوش… لكن أمي كانت واحدة من البنات اللي مؤسسته ساعدتهم.”
أخرجت من حقيبتها صورة قديمة.
كانت لأمها وهي ترتدي فستان الزفاف، وإلى جوارها الحاج فؤاد.
قالت:
“أمي كانت دايمًا تقول… لو الراجل ده ما وقفش جنبنا، كان زمان حياتنا انتهت.”
ابتسمت مريم، وشعرت أن قلبها امتلأ بالسكينة.
قالت للفتاة:
“أنا بنته.”
اتسعت عينا الفتاة.
ثم احتضنتها وهي تبكي.
وقالت:
“يبقى لازم أشكرك… لأنكم غيرتم حياة عيلتنا كلها.”
وفي المساء…
اجتمعت العائلة في المنزل القديم.
كانت فريدة قد أصبحت أمًا لطفلين.
أما محمود، فقد اشتعل الشيب في شعره.
أخرجت مريم صندوقًا خشبيًا قديمًا من الخزانة.
كان الصندوق نفسه الذي احتفظت فيه بكل الذكريات.
فستان زفافها.
الرسالة الأولى.
خطاب والدها الحقيقي.
وصورة الحاج فؤاد وهو يحمل فريدة وهي رضيعة.
ابتسمت وقالت لأحفادها:
“عارفين الصندوق ده؟”
قال الصغير:
“كنز؟”
ضحكت.
“أغلى من أي كنز.”
فتحت الصندوق، وأخرجت الرسالة التي غيّرت حياتها.
لكنها لم تقرأها.
بل وضعتها مرة أخرى في مكانها.
سألتها فريدة:
“ليه؟”
ابتسمت مريم وقالت:
“لأن أهم حاجة فيها… أنا حفظتها في قلبي.”
ثم أغلقت الصندوق إلى الأبد.
وقالت وهي تنظر إلى أحفادها:
“افتكروا حاجة واحدة بس…
لو قابلتوا في حياتكم حد مكسور…
كونوا زيه.”
سأل أحد الأحفاد باستغراب:
“زي مين يا تيتة؟”
نظرت إلى صورة الحاج فؤاد المعلقة على الحائط.
وابتسمت.
“زي الراجل اللي اختار يكون أب…
من غير ما حد يطلب منه.”
ساد صمت جميل داخل المنزل.
ثم ارتفع أذان المغرب من المسجد القريب.
وقف الجميع للصلاة.
وبينما كانت مريم تغلق نافذة الغرفة، سقطت أشعة الشمس الأخيرة على صورة الحاج فؤاد.
فبدت ابتسامته كأنها ما زالت تملأ البيت دفئًا…