تناولت العروس حكايات ميراا
نظر الجميع إليه.
قال بثبات:
“أنا كنت مخبي عن خطيبتي إني خسرت شغلي من شهر.”
ساد الصمت.
أكمل وهو ينظر إلى الفتاة:
“كنت أقدر أسكت لحد بعد الجواز… لكن قصة مدام مريم علمتني إن الحقيقة المتأخرة بتوجع أكتر.”
نظرت الفتاة إليه للحظات.
ثم ابتسمت وقالت:
“الشغل بيتعوض… إنما الثقة لو راحت صعب ترجع.”
ابتسمت مريم، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
بعد خروج الجميع، قالت فريدة:
“شايفة يا ماما؟”
“إيه؟”
“قصة حصلت من عشرين سنة… لسه بتغيّر قرارات ناس عمرهم ما قابلوكي.”
في تلك اللحظة، دخل الحاج فؤاد متكئًا على عصاه.
كان شعره قد أصبح أبيض بالكامل، لكن الابتسامة نفسها لم تتغير.
نظر إلى لوحة كبيرة معلقة على الحائط، كُتب عليها:
“الصدق قد يؤلم لحظة… لكن الكذب قد يهدم عمرًا كاملًا.”
ابتسم وقال:
“دي أحسن جملة اتكتبت في المكان ده.”
ضحكت مريم.
ثم اقتربت منه وسندته حتى جلس.
قال لها بهدوء:
“فاكرة ليلة الفرح؟”
ابتسمت وهي تنظر إلى السماء من النافذة.
“زمان كنت فاكرة إنها أسوأ ليلة في حياتي.”
“ودلوقتي؟”
تنهدت وقالت:
“دلوقتي عرفت إنها كانت الليلة اللي ربنا أنقذني فيها… قبل ما يكتبلي حياة أجمل.”
ساد الصمت.
ثم انطلقت ضحكات الفتيات من ساحة المؤسسة.
نظر الحاج فؤاد إليهن، وقال وهو يغمض عينيه مطمئنًا:
“الحمد لله… الرسالة اللي بدأت بكلمة «آسف»… انتهت بآلاف الكلمات اللي بدأت بـ«مبروك».”
وبعد أشهر قليلة، رحل الحاج فؤاد عن الدنيا بهدوء، بعد عمر طويل ملأه بالعطاء.
وفي يوم جنازته، لم تمتلئ الساحة بأفراد العائلة فقط…
بل بمئات العرائس اللاتي ساعدهن يومًا، وأطفالهن الذين جاءوا يودعون الرجل الذي لم يكن أبًا لهم بالدم، لكنه كان سببًا في بداية حياة كريمة لهم.
وقفت مريم أمام قبره، ووضعت رسالة صغيرة بين الزهور.
كان مكتوبًا فيها:
“إلى أبي… لم يجمعنا الدم، لكن جمعتنا الرحمة. ولم تمنحني الحياة، لكنك علمتني كيف أعيشها. رحمك الله، وجزاك عني خير الجزاء.”
ثم أمسكت فريدة بيد والدتها، وغادرتا المقبرة بهدوء.
لكن اسم الحاج فؤاد ظل حيًا…
في كل عروس ابتسمت بعد خوف،
وفي كل بيت بدأ بالصدق،
وفي كل قلب آمن أن الأبوة ليست نسبًا فقط…
بل موقف، ورحمة، وحب لا ينتهي.