تناولت العروس حكايات ميراا
اقتربت منه والدتها وهمست:
“بنتنا أقوى مننا كلنا.”
وبينما كانت مريم تمر بين الطاولات، وقع بصرها على أحد الخدم الشباب.
كان يحمل صينية، لكنه ينظر إليها بحزن شديد، وكأنه يريد أن يقول شيئًا.
اقترب منها بخطوات مترددة وقال بصوت منخفض:
“آنسة مريم… ممكن أقول لحضرتك حاجة؟”
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:
“اتفضل.”
ابتلع ريقه وقال:
“أنا شفت العريس قبل ما يمشي.”
توقفت في مكانها.
“إزاي؟”
قال:
“كان واقف عند الباب الخلفي مع راجل كبير في السن… وكانوا بيتخانقوا. والراجل قاله بالحرف: لو دخلت القاعة واتجوزتها… هقول الحقيقة قدام الناس كلها.”
تسارعت أنفاس مريم.
“حقيقة إيه؟”
هز الشاب رأسه بأسف.
“مسمعتش الباقي… لكن بعد دقايق العريس جري وركب عربيته ومشي.”
لأول مرة منذ بداية الليلة، اهتزت ملامح مريم.
لم يكن محمود قد هرب لأنه خائف من الزواج…
بل لأنه كان يهرب من سرٍ خطير.
وقبل أن تسأله أي سؤال آخر، دوّى صوت من آخر القاعة:
“مريم!”
التفت الجميع.
كان محمود يقف عند الباب… وثيابه مبللة بالمطر، وأنفاسه متقطعة، وخلفه رجل مسن يحمل في يده ملفًا قديمًا.
نظر إليها محمود بعينين مليئتين بالندم، وقال أمام 187 مدعوًا:
“أنا ما هربتش علشان مبقتش أحبك… هربت لأن الحقيقة اللي جايين يقولوهالك كانت هتكسر قلبك أكتر من هروبي.”تجمّد الجميع في أماكنهم.
حتى الأطفال توقفوا عن الحركة.
كانت أنظار القاعة كلها معلقة بمحمود، الذي وقف عند الباب يلهث وكأنه قطع المدينة كلها جريًا.
قبض الحاج فؤاد على ذراع ابنته وقال بغضب:
“بعد اللي عملته… جاي تعمل إيه هنا؟”
لم يرد محمود.
بل نظر إلى الرجل المسن الواقف خلفه وقال:
“اتفضل… قول الحقيقة.”
تقدم الرجل بخطوات ثقيلة، ثم خلع نظارته ومسح دموعًا كانت تتجمع في عينيه.
قال بصوت مرتجف:
“اسمي حسن عبدالسلام… وكنت شريك والد محمود من أكتر من خمسة وعشرين سنة.”
لم يفهم أحد سبب وجوده.
لكن الحاج فؤاد تغيّرت ملامحه فجأة.
همس باسمه وكأنه يعرفه منذ زمن.
“حسن؟!”
أومأ الرجل برأسه.
ثم فتح الملف القديم الذي كان يحمله.
أخرج منه مجموعة أوراق صفراء، وصورة قديمة تجمع ثلاثة رجال شباب.