تناولت العروس حكايات ميراا
كان أحدهم الحاج فؤاد.
والثاني حسن.
أما الثالث…
فكان والد محمود الراحل.
ساد الصمت.
قال حسن:
“زمان… كنا شركا في شركة صغيرة. وفي يوم حصلت خسارة كبيرة، وكل واحد فينا راح في طريق.”
قاطعه الحاج فؤاد بحدة:
“خلص الكلام ده.”
لكن حسن أكمل:
“قبل ما نفترق، اتفقنا على حاجة… لو ربنا رزقنا أولاد، نجوزهم لبعض، ونرجع العيلة زي الأول.”
شهق بعض الحضور.
أما مريم، فلم تفهم لماذا يبدو والدها خائفًا إلى هذا الحد.
ثم قال حسن الجملة التي قلبت كل شيء:
“لكن بعد سنين… اكتشفت إن في سر مخبّي عن مريم طول عمرها.”
نظرت مريم إلى والدها.
كان وجهه شاحبًا.
قالت بصوت مرتجف:
“سر إيه يا بابا؟”
أغمض الحاج فؤاد عينيه.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة…
انهارت دموعه أمام الناس.
قال بصوت مكسور:
“سامحيني يا بنتي…”
ثم أضاف:
“أنا… مش أبوكي الحقيقي.”
ساد صمت مرعب داخل القاعة.
سقط الكأس من يد إحدى المدعوات، وتحطم على الأرض.
شعرت مريم وكأن العالم يدور بها.
“إيه؟!”
قالت الكلمة بصعوبة، وهي تنظر بين والدها والرجل العجوز.
اقترب الحاج فؤاد منها وهو يبكي:
“أنا ربيتك من يوم كان عندك ست شهور… وأمك طلبت مني أوعدها إن الحقيقة تفضل مدفونة.”
شهقت والدتها، التي كانت تقف بعيدًا، وأجهشت بالبكاء.
أما محمود، فاقترب خطوة وقال:
“عرفت الحقيقة من أسبوع… ولما عرفت، مقدرتش أتجوزك قبل ما تعرفي كل حاجة. لو اتجوزناك وبعدين اكتشفتي السر، كنتِ هتكرهيني طول عمرك.”
رفعت مريم عينيها إليه، وكانت الدموع تملؤهما.
لكنها لم تنطق بكلمة واحدة.
فقد كانت تشعر أن حياتها كلها… التي عاشت تؤمن بها… بدأت تنهار أمامها في لحظة واحدة.جلست مريم على أقرب مقعد وهي تشعر أن الأرض تميد تحت قدميها.
كانت تسمع الأصوات من حولها، لكنها لم تعد تميز الكلمات.
كل ما ظل يتردد في رأسها جملة واحدة:
“أنا… مش أبوكي الحقيقي.”
نظرت إلى الحاج فؤاد، الرجل الذي علّمها المشي، وحملها إلى المدرسة في أول يوم، وسهر بجوارها كلما مرضت.