بلغت الثمانين من عمري. حكايات_ميراا
بلغت الثمانين من عمري… ولم أتزوج أبدًا، لأن حبي الأول اختفى في الحرب. لكن في الأسبوع الماضي، طرق بابي رجل غريب يحمل صندوقًا أزرق غيّر كل ما ظننته حقيقة.
اسمي فاطمة عبدالسلام.
أتممت الثمانين هذا الصيف.
طوال حياتي، كان الناس يسألونني السؤال نفسه:
“ليه ما اتجوزتيش يا طنط فاطمة؟”
كنت أبتسم فقط.
لم أكن أملك الشجاعة لأخبرهم أن قلبي توقف عن الحب منذ أكثر من ستين عامًا.
كان اسمه حسن المصري.
تعرفنا على بعضنا ونحن في المرحلة الثانوية، وكبر حبنا عامًا بعد عام.
كان يحلم أن يصبح مهندسًا، وكنت أحلم ببيت صغير وحديقة مليئة بالياسمين.
لكن الأحلام انتهت في اليوم الذي استدعوه للخدمة العسكرية.
في الليلة الأخيرة قبل سفره، جلسنا تحت شجرة الجميز الكبيرة بجوار المدرسة.
أمسك يدي وقال:
“لو اتأخرت… استنيني.”
ضحكت وقتها.
“هستناك العمر كله.”
ابتسم، ووضع في يدي خاتمًا فضيًا بسيطًا.
وفي صباح اليوم التالي… رحل.
في البداية كانت تصلني منه خطابات كل شهر.
ثم أصبحت كل ثلاثة أشهر.
ثم…
انقطعت تمامًا.
بعد عام وصل خطاب رسمي يقول إنه مفقود أثناء أداء الخدمة، ولم يُعثر على جثمانه.
رفض الجميع فكرة انتظاره.
أما أنا…
فلم أستطع أن أعتبره ميتًا.
مرت السنوات.
توفي والداي.
تزوج إخوتي.
كبر أبناء إخوتي.
وأصبحت الجدة التي تحكي القصص لكل أطفال العائلة.
لم أنجب طفلًا واحدًا…
لكن عشرات الأطفال كانوا ينادونني:
“تيتة فاطمة.”
وفي كل عيد ميلاد، كنت أشتري باقة قرنفل أحمر، وأذهب إلى شجرة الجميز نفسها التي ودعته تحتها.
أجلس ساعة كاملة…
وأعود.
حتى جاء عيد ميلادي الثمانون.
بينما كنت أضع الزهور، سمعت صوتًا خلفي.
“حضرتك… طنط فاطمة؟”
استدرت ببطء.
كان يقف أمامي رجل في منتصف الخمسينيات.
لكن…
كانت لديه نفس العينين الزرقاوين.
ونفس الابتسامة.
ونفس الغمازة الصغيرة التي كانت في خد حسن.