بلغت الثمانين من عمري. حكايات_ميراا

 

اقتربت منه ببطء.

 

— حضرتك تعرف حسن؟

 

هز الرجل رأسه وعيناه امتلأتا بالدموع.

 

— كنا في الكتيبة نفسها.

 

جلست أمامه وهي تكاد لا تتنفس.

 

قال:

 

— اسمي محمود… وآخر مرة شفته كانت قبل ما ينقلوه للعلاج. كان فاكر اسم واحد بس وهو بينزف.

 

ابتلعت ريقها بصعوبة.

 

— مين؟

 

ابتسم الرجل بحزن.

 

— كان بيقول… “قولوا لفاطمة تستناني… أنا راجع.”

 

انفجرت فاطمة في البكاء.

 

غطت وجهها بيديها، وهي تردد:

 

— كان فاكرني…

 

أخرج محمود من جيبه ظرفًا صغيرًا مهترئًا.

 

— الرسالة دي كانت معايا من يوم الإصابة. حسن اداهالي وقال: لو رجعت مصر قبلي، سلمها لفاطمة. لكن أنا كمان اتنقلت مستشفى، وبعدها سافرت مع أولادي للخارج، والرسالة فضلت معايا عشرات السنين… لحد ما سمعت عن المكتبة دي بالصدفة.

 

فتحت فاطمة الرسالة بلهفة.

 

كانت قصيرة جدًا.

 

“يا فاطمة… لو وصلك الجواب ده، يبقى أنا لسه بحارب علشان أرجعلك. أوعديني إنك تعيشي، حتى لو اتأخرت.”

 

ضمت الورقة إلى قلبها.

 

ثم نظرت إلى محمود وقالت بابتسامة امتزجت بالدموع:

 

— الغريب… إني فعلًا عشت… بس كنت مستنية.

 

في ذلك اليوم، شعرت فاطمة أن آخر قطعة ناقصة من الحكاية قد عادت إلى مكانها.

 

لم يعد في قلبها سؤال بلا إجابة.

 

ولم يعد هناك انتظار.

 

فقط ذكريات… وحب صادق، قاوم الزمن، والحرب، وستين عامًا من الغياب، حتى وجد طريقه أخيرًا إلى الحقيقة.مر عام كامل.

 

وفي صباح هادئ من أيام الربيع، فتحت فاطمة أبواب مكتبة “بيت الياسمين” كعادتها.

 

لكن هذه المرة، وجدت عشرات الأشخاص ينتظرون أمام الباب.

 

أطفال يحملون الورود.

 

شباب جاءوا بكتب للتبرع.

 

وصحفيون سمعوا قصة الحب التي صمدت أكثر من ستين عامًا.

 

اقترب منها كريم وهو يبتسم.

 

— النهارده عندنا مفاجأة.

 

رفعت حاجبيها باستغراب.

 

— مفاجأة إيه؟

 

أشار إلى الحديقة الخلفية.

 

خرجت فاطمة ببطء…

 

فتجمدت مكانها.

 

كانت الحديقة مليئة بأشجار الياسمين.

 

عشرات الشتلات البيضاء الصغيرة، تفوح منها رائحة عطرة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *