بلغت الثمانين من عمري. حكايات_ميراا

وأصبحت أول ما يقرأه كل زائر يدخل المكان.

 

أما فاطمة…

 

فكانت تنظر إليها كل يوم، وتبتسم في هدوء، وكأنها أخيرًا وصلت إلى الصفحة الأخيرة من الحكاية التي بدأت تحت شجرة الجميز قبل أكثر من سبعين عامًا.بعد خمس سنوات…

 

بلغت فاطمة الثامنة والثمانين.

 

لم تعد تقوى على الجلوس طوال اليوم في المكتبة، فأصبح كريم يتولى إدارتها، بينما كانت هي تأتي كل عصر، تجلس في مقعدها المعتاد بين أشجار الياسمين، ويجتمع الأطفال حولها ليسمعوا منها الحكايات.

 

وفي مساء شتوي هادئ، وبينما كانت السماء تمطر مطرًا خفيفًا، دخل رجل مسن إلى المكتبة، يتكئ على عصا خشبية.

 

كان في أواخر التسعينيات من عمره.

 

اقترب من فاطمة، وحدق في وجهها طويلًا، ثم قال بصوت ضعيف:

 

— حضرتك… فاطمة عبدالسلام؟

 

ابتسمت وقالت:

 

— أيوه… أنا.

 

ارتجفت شفتاه.

 

ثم أخرج من جيبه سلسلة معدنية صغيرة، تتدلى منها نصف عملة فضية.

 

ما إن رأتها فاطمة حتى شهقت.

 

كانت تعرفها.

 

قبل سفر حسن إلى الخدمة العسكرية، كسر عملة فضية إلى نصفين.

 

احتفظ هو بنصفها، وأعطاها النصف الآخر.

 

لكنها فقدته منذ عشرات السنين.

 

قال الرجل:

 

— أنا اسمي عبدالرحمن… كنت مع حسن في آخر مهمة قبل إصابته.

 

أمسكت فاطمة السلسلة بيد مرتجفة.

 

سألته:

 

— منين لقيتها؟

 

تنهد الرجل.

 

— حسن ادهالي يوم الإصابة… وقال لي: “لو أنا مرجعتش، وساعتها قابلت فاطمة، سلمها النص ده… وقولها إني عمري ما نسيتها.”

 

أخرجت فاطمة سلسلة قديمة من رقبتها.

 

كانت تحمل النصف الآخر.

 

وضعت القطعتين بجوار بعضهما.

 

التحمتا تمامًا.

 

وكأنهما لم تفترقا يومًا.

 

ساد الصمت داخل المكتبة.

 

حتى الأطفال توقفوا عن الكلام.

 

ابتسم عبدالرحمن وقال:

 

— أهو… الوعد اكتمل.

 

لم تستطع فاطمة أن تمنع دموعها.

 

قالت وهي تنظر إلى القطعة المكتملة:

 

— حتى المعدن كان مستني يرجع لصاحبه.

 

في تلك الليلة، أعادت القطعة الفضية إلى الصندوق الأزرق.

 

ثم كتبت رسالة بخط يدها المرتعش، ووضعتها فوق كل الرسائل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *