بلغت الثمانين من عمري. حكايات_ميراا
وفي مساء شتوي هادئ، وبينما كانت السماء تمطر مطرًا خفيفًا، دخل رجل مسن إلى المكتبة، يتكئ على عصا خشبية.
كان في أواخر التسعينيات من عمره.
اقترب من فاطمة، وحدق في وجهها طويلًا، ثم قال بصوت ضعيف:
— حضرتك… فاطمة عبدالسلام؟
ابتسمت وقالت:
— أيوه… أنا.
ارتجفت شفتاه.
ثم أخرج من جيبه سلسلة معدنية صغيرة، تتدلى منها نصف عملة فضية.
ما إن رأتها فاطمة حتى شهقت.
كانت تعرفها.
قبل سفر حسن إلى الخدمة العسكرية، كسر عملة فضية إلى نصفين.
احتفظ هو بنصفها، وأعطاها النصف الآخر.
لكنها فقدته منذ عشرات السنين.
قال الرجل:
— أنا اسمي عبدالرحمن… كنت مع حسن في آخر مهمة قبل إصابته.
أمسكت فاطمة السلسلة بيد مرتجفة.
سألته:
— منين لقيتها؟
تنهد الرجل.
— حسن ادهالي يوم الإصابة… وقال لي: “لو أنا مرجعتش، وساعتها قابلت فاطمة، سلمها النص ده… وقولها إني عمري ما نسيتها.”
أخرجت فاطمة سلسلة قديمة من رقبتها.
كانت تحمل النصف الآخر.
وضعت القطعتين بجوار بعضهما.
التحمتا تمامًا.
وكأنهما لم تفترقا يومًا.
ساد الصمت داخل المكتبة.
حتى الأطفال توقفوا عن الكلام.
ابتسم عبدالرحمن وقال:
— أهو… الوعد اكتمل.
لم تستطع فاطمة أن تمنع دموعها.
قالت وهي تنظر إلى القطعة المكتملة:
— حتى المعدن كان مستني يرجع لصاحبه.
في تلك الليلة، أعادت القطعة الفضية إلى الصندوق الأزرق.
ثم كتبت رسالة بخط يدها المرتعش، ووضعتها فوق كل الرسائل.
جاء فيها:
“إذا قرأ أحدكم هذه الكلمات بعد رحيلي، فلا يحزن لأجلي. لقد عشت عمرًا طويلًا، وظننت أنني خسرت كل شيء، ثم اكتشفت أن الله كان يؤخر الحقيقة حتى يداوي بها قلبي في الوقت المناسب.
لا تجعلوا الانتظار يسرق أعماركم، ولا تسمحوا للحقد أن يسكن قلوبكم.
سامحوا… وأحبوا… واتركوا خلفكم أثرًا طيبًا، فذلك هو الشيء الوحيد الذي يبقى.”
وفي صباح اليوم التالي، علقت الرسالة داخل إطار زجاجي عند مدخل المكتبة.