بلغت الثمانين من عمري. حكايات_ميراا
لم تتمالك فاطمة نفسها، وأجهشت بالبكاء.
اقترب كريم وجلس بجوارها.
قال بهدوء:
— تعرفي… بابا كان دايمًا يقول إن الإنسان ممكن يخسر عمره، لكن ما يخسرش الحب الحقيقي.
ابتسمت وسط دموعها.
ثم نظرت إليه طويلًا.
كانت ترى حسن في ملامحه، وفي طريقة كلامه، وحتى في ابتسامته.
وقبل أن يغادر، أخرج كريم مفتاحًا صغيرًا من جيبه.
— نسيت أهم حاجة.
ناولها المفتاح.
— ده مفتاح البيت اللي بابا عاش فيه آخر عشرين سنة… كتب في وصيته إنه يبقى باسمك، ولو رفضتي، يتحول لمكتبة مجانية باسمه واسمك.
ارتجفت يد فاطمة.
لم تكن تريد بيتًا…
ولا مالًا…
كل ما كانت تتمناه طوال ستين عامًا هو أن تعرف الحقيقة.
وقد عرفتها أخيرًا.
وفي صباح اليوم التالي، ذهبت إلى شجرة الجميز للمرة الأولى منذ عقود، لكن هذه المرة لم تحمل معها قرنفلًا أحمر فقط.
حملت صورة حسن، ورسائله، والخاتم الفضي.
وضعتهم أمامها، وابتسمت وهي ترفع رأسها إلى السماء.
ثم قالت بصوت هادئ:
— خلاص يا حسن… ارتحت، وأنا كمان ارتحت.
وهبت نسمة خفيفة حرّكت أوراق الشجرة، وكأنها تحمل معها وداعًا تأخر أكثر من ستين عامًا.بعد أشهر قليلة، اتخذت فاطمة قرارًا لم يتوقعه أحد.
لم تبع البيت الذي تركه حسن.
ولم تحتفظ به لنفسها.
نفذت وصيته.
تحول البيت الصغير إلى مكتبة مجانية تحمل لافتة بسيطة كُتب عليها:
“بيت الياسمين… إهداء إلى حسن وفاطمة، اللذين فرّقتهما الحرب وجمعتهما الحقيقة.”
في البداية، لم يكن يدخلها سوى عدد قليل من الأطفال.
لكن مع مرور الوقت، أصبحت مقصدًا لطلاب المدارس، ومحبي القراءة، وحتى كبار السن الذين كانوا يأتون ليحكوا ذكرياتهم.
كانت فاطمة تجلس كل صباح في الركن نفسه، تقرأ القصص للأطفال، بينما يزين الخاتم الفضي إصبعها للمرة الأولى منذ ستين عامًا.
وذات مساء، دخل رجل مسن يتكئ على عصاه.
ظل يتأمل الصور المعلقة على الجدار، ثم توقف أمام صورة حسن.
قال بصوت مبحوح:
— أنا أعرف الراجل ده…
تجمدت فاطمة في مكانها.