بلغت الثمانين من عمري. حكايات_ميراا
اتسعت عينا فاطمة.
“عشت سنوات طويلة فاقدًا للذاكرة. اعتنيت بي ممرضة أرملة كانت تعمل في المستشفى. ومع مرور الوقت، أخبرني الأطباء أن ذاكرتي ربما لن تعود أبدًا.”
شعرت فاطمة بأن قلبها ينقبض.
“بعد سنوات… تزوجت تلك السيدة. لم يكن ذلك لأنني نسيتك بإرادتي، بل لأنني لم أعد أتذكر أن هناك فتاة اسمها فاطمة تنتظرني في مصر.”
أغمضت عينيها بقوة، بينما انحدرت دموعها على الورقة.
“رزقني الله بابن أسميته كريم. وبعد أكثر من عشرين عامًا، بدأت ذاكرتي تعود تدريجيًا. في البداية تذكرت شجرة الجميز… ثم خاتمًا فضيًا… ثم اسمك.”
رفعت رأسها نحو الرجل.
همس:
— أنا كريم.
ابتسمت له وسط دموعها.
كان بالفعل يحمل ملامح حسن.
لكن الرسالة لم تنتهِ.
“عندما استعادت ذاكرتي بالكامل، حاولت العودة إلى مصر، لكن ظروفي الصحية كانت قد ساءت، ثم مرضت زوجتي التي وقفت بجانبي في أصعب سنوات حياتي، ولم أستطع أن أتركها حتى توفيت.”
سكتت فاطمة طويلًا.
لم تشعر بالغضب.
ولم تشعر بالخيانة.
فقط شعرت بالحزن على عمرٍ ضاع من الجميع.
ثم قرأت السطر الأخير.
“إذا سبقني الموت، فسيأتيك ابني كريم بهذا الصندوق. وإذا كنتِ ما زلتِ على قيد الحياة، فقولي له إنني لم أتوقف عن حبك يومًا… وإن أكثر ما آلمني أنني لم أستطع أن أشرح لك الحقيقة بنفسي.”
أغلقت الرسالة واحتضنتها إلى صدرها.
ساد الصمت لدقائق.
ثم سألته بصوت مبحوح:
— هو… باباك؟
خفض كريم رأسه.
— توفى من شهرين… وكان آخر طلب طلبه مني إني أجي مصر وأدور عليكي مهما أخد مني وقت.
انهمرت دموع فاطمة من جديد.
قال كريم وهو يخرج ظرفًا آخر:
— ده كمان كان ليكي.
فتحته.
كان بداخله مفتاح صغير، وصورة حديثة لحسن وهو رجل مسن يبتسم ابتسامته نفسها، وخلف الصورة عبارة قصيرة كتبها قبل وفاته:
“سامحيني يا فاطمة… لقد عدت متأخرًا جدًا.”
وضعت الصورة على قلبها.
ثم نظرت إلى السماء وهمست:
— سامحتك… من زمان يا حسن.
في ذلك اليوم، لم تشعر فاطمة أنها فقدت حب عمرها مرة أخرى…