بلغت الثمانين من عمري. حكايات_ميراا
قال لفاطمة:
— أنا لقيت الرسائل دي في بيت جدي بعد وفاته. كان ضابطًا في الجيش، ولما قريت اسم حسن المصري افتكرت القصة اللي سمعتها عن حضرتك.
ارتجفت يد فاطمة وهي تتناول الرسائل.
كانت كلها خطابات لم تصل أبدًا.
خطابات كتبها حسن إليها خلال سنوات غيابه، لكنها ظلت حبيسة الأدراج بسبب خطأ في العناوين، ثم نُسيت مع مرور الزمن.
جلست تقرأها واحدة تلو الأخرى.
في كل رسالة، كان حسن يكتب عن أمله في العودة، وعن خوفه أن تكون قد انتظرته بلا جدوى، وعن حلمه الذي لم يتغير أبدًا… أن يزرعا الياسمين أمام بيت صغير.
ابتسمت وهي تمسح دموعها.
وقالت للشاب:
— تعرف… أنا كنت فاكرة إني عشت عمري كله مستنية رسالة واحدة.
ضحك الشاب بلطف.
— وطلعوا خمسين رسالة.
ضحكت لأول مرة من قلبها.
ثم طلبت من كريم أن يجمع كل الرسائل والصور والذكريات في كتاب.
وبعد عام، صدر الكتاب بعنوان:
“بيت الياسمين… حكاية حب لم يهزمها الزمن.”
حقق الكتاب نجاحًا كبيرًا، ليس لأنه يحكي قصة حب فقط، بل لأنه أعاد الأمل لكثير من الناس الذين ظنوا أن النهايات المؤلمة هي النهاية الوحيدة.
وفي عيد ميلادها الحادي والثمانين، اجتمع أطفال المكتبة حولها.
أطفأوا الشموع، وغنوا لها.
ثم تقدمت طفلة صغيرة وقدمت لها رسمًا.
كان الرسم لبيت صغير، تحيط به أشجار الياسمين، ويقف أمامه رجل وامرأة شابان يمسكان بأيدي بعضهما.
وفي أعلى الورقة كتبت بخط طفولي:
“في الجنة… مفيش حد بيتأخر.”
لم تتمالك فاطمة نفسها.
ضمّت الرسمة إلى صدرها، وابتسمت وهي تنظر إلى السماء.
كانت تؤمن، لأول مرة منذ ستين عامًا، أن بعض اللقاءات قد تتأخر كثيرًا…
لكنها لا تضيع أبدًا. ❤️🌿مرت ثلاث سنوات أخرى.
أصبحت فاطمة في الثالثة والثمانين من عمرها.
كان شعرها أبيض بالكامل، وخطواتها أبطأ، لكن ابتسامتها أصبحت أهدأ من أي وقت مضى.
وفي كل صباح، كانت تجلس على المقعد الخشبي أمام مكتبة “بيت الياسمين”، تستقبل الأطفال بنفس الجملة:
— تعالى يا حبيبي… الكتاب ده ممكن يغيّر حياتك.