بلغت الثمانين من عمري. حكايات_ميراا
بل شعرت أنها أخيرًا عرفت الحقيقة التي انتظرتها ستين عامًا.
أما كريم، فلم يعد إلى بلده في اليوم التالي كما كان ينوي.
بقي عدة أيام مع فاطمة، يسمع منها حكايات والده في شبابه، وتحكي له عن الأحلام التي لم تكتمل.
وللمرة الأولى في حياتها…
لم تعد تجلس وحدها تحت شجرة الجميز.
كان يجلس بجوارها ابن الرجل الذي أحبته، وكأن القدر، بعد كل تلك السنوات، قرر أن يعيد إليها جزءًا صغيرًا مما سلبه منها.بعد أسبوع، وقبل أن يغادر كريم إلى البلد التي عاش فيها، وقف أمام فاطمة وقال بتردد:
— في حاجة لسه ما قلتهاش لحضرتك.
ابتسمت وهي تقدم له كوب الشاي.
— اتفضل يا ابني.
أخرج من حقيبته ملفًا بني اللون، ووضعه على الطاولة.
— بابا كان مصر إنه ما أفتحهش إلا قدامك.
فتحت الملف ببطء.
كان يحتوي على مستندات قديمة، وصور، وخريطة مرسوم عليها بقلم رصاص، ورسالة رسمية مختومة بختم عسكري.
بدأت تقرأ.
كانت الرسالة تؤكد أن حسن لم يكن مفقودًا كما أُعلن، بل نُقل سرًا مع عدد من الجنود المصابين إلى خارج البلاد لتلقي العلاج بعد إصابات بالغة، ثم فُقدت بياناتهم بسبب خطأ إداري استمر سنوات طويلة.
أغلقت عينيها وهي تتمتم:
— يعني… كان عايش فعلًا.
هز كريم رأسه.
— بابا حاول يوصل لأي حد من عيلتك بعد ما افتكر، لكنه اكتشف إن كل الناس افتكروه مات، وماكانش معاه أي عنوان صحيح.
ثم أخرج صورة أخرى.
فيها حسن، وقد تجاوز السبعين، يجلس أمام بيت صغير، وبين يديه دفتر قديم.
قال كريم:
— الدفتر ده كان بيكتب فيه كل ذكرياته عنك… كل ما يفتكر حاجة جديدة.
فتحت فاطمة الدفتر.
في أول صفحة قرأت:
“اليوم تذكرت ضحكتها وهي بتضحك لما وقعت من على العجلة قدام المدرسة.”
وفي صفحة أخرى:
“اليوم تذكرت إنها كانت بتحب الياسمين، وكنت وعدتها بزرعه حوالين بيتنا.”
أما آخر صفحة، فكانت مختلفة.
“إذا لم أستطع أن ألقاها، فأرجو أن تعرف أنني لم أخلف وعدي بإرادتي… لقد عدت إليها كل يوم بقلبي، حتى وأنا بعيد عنها.”