في تمام الساعة 11:53. حكايات_ميراا
احتضنه عاصم بقوة حتى ظنت هنا أنه لن يتركه أبدًا.
أغمض عينيه ودفن وجهه في شعر ابنه المبلل.
وفي تلك اللحظة…
بدا أخطر رجل في المدينة مجرد أب خائف فقد كاد يخسر ابنه الوحيد.
تقدمت طبيبة خمسينية تحمل حقيبة إسعافات، وفحصت آدم بسرعة، ثم لفته ببطانيات حرارية وأعطت أوامرها للحراس.
حاولت هنا الوقوف.
لكن ساقيها خانتاها.
أمسكت بها يد قوية قبل أن تسقط.
قال الرجل ذو الرأس الحليق والندبة فوق حاجبه:
— بالراحة… أنا محمود السيوفي، المسؤول عن أمن الأستاذ عاصم.
قالت وهي تحاول الابتسام:
— أنا كويسة.
هز رأسه.
— إنتِ شفايفك زرقت من البرد.
ضحكت بخفة وقالت:
— شفت أيام أربع أسوأ من دي.
نظر إليها محمود وكأنه لا يعرف هل يصفها بالشجاعة… أم بالجنون.
وقف عاصم وهو يحمل ابنه بين ذراعيه.
ثم نظر إليها مباشرة.
— إنتِ نزلتِ النيل علشانه؟
— كان أسرع من إني أفضل أستنّى حد يساعده.
— كان ممكن تموتي.
— وهو كمان.
مر شيء غريب في عينيه…
امتنان…
امتزج بالخوف… والشك… وآثار الرعب الذي عاشه قبل دقائق.
ثم قال بهدوء لا يقبل النقاش:
— هتيجي معانا.
رفعت حاجبيها.
— أنا المفروض أروح بيتي.
— لأ.
جاءت الكلمة حاسمة.
اعتدلت هنا في وقفتها وقالت بثبات:
— أنا أنقذت ابنك… وده مش معناه إنك تديلي أوامر.
نظر رجال الأمن إلى بعضهم، وكأنهم يتساءلون إن كان أحد قد خاطب عاصم المنصوري بهذه الطريقة من قبل وخرج سالمًا.
لكن عاصم لم يرفع صوته.
قال بهدوء:
— الدكتور لازم يكشف عليكي. إنتِ بلعتي من مية النيل، وإيدك بتنزف، وحرارة جسمك منخفضة جدًا. بعد كده… تقدري تمشي.
نظرت هنا إلى الطريق الخالي.
آخر ميكروباص كان قد مر منذ أكثر من ساعتين.
وشقتها تبعد عدة كيلومترات.
هاتفها لم يتبق فيه سوى ثلاثة بالمئة من البطارية، وحذاؤها لا يزال ممتلئًا بالماء.
تنهدت وقالت:
— ماشي… بس أنا مش مخطوفة.
ولأول مرة، ارتسمت على شفتي عاصم ابتسامة خفيفة.