كانت خادمتي بثينة. حكايات_ميراا

 

كان يرتدي جلبابًا بسيطًا، ويحمل في يده عصًا خشبية.

 

نظر إلى صندوق العلبة البلاستيكية طويلًا، ثم قال:

 

“كنت فاكر إنها اتكسرت واترمت.”

 

التفتُّ إليه وسألته:

 

“حضرتك تعرفها؟”

 

ابتسم ابتسامة هادئة وقال:

 

“أنا اللي بعتها لبثينة من خمسة عشر سنة.”

 

تعجبت.

 

جلس على أحد المقاعد وأخذ يحكي.

 

قال إنه كان يملك محل أدوات منزلية صغيرًا، وفي أحد الأيام دخلت عليه بثينة تبحث عن أرخص علبة تحفظ فيها الطعام.

 

قال لها يومها:

 

“دي فيها شرخ… محدش هيشتريها.”

 

فردت بابتسامة:

 

“طالما هتشيل الأكل للغلابة… يبقى لسه ليها عمر.”

 

ثم اشترتها بثمن زهيد، وغادرت.

 

قال الرجل وهو يمسح دمعة من عينه:

 

“ما كنتش أعرف إن العلبة دي هتبقى سبب في تغيير حياة ناس كتير.”

 

ابتسمت وأنا أنظر إلى العلبة داخل الصندوق الزجاجي.

 

وفجأة اقترب طفل صغير من عمر ست سنوات، وسأل أمه بصوت بريء:

 

“ماما… هي العلبة دي غالية؟”

 

ابتسمت الأم ولم تعرف ماذا تجيب.

 

فانحنيت إلى الطفل وقلت:

 

“لأ يا بطل… العلبة نفسها كانت رخيصة جدًا.”

 

سألني:

 

“أمال ليه حاطينها في صندوق؟”

 

نظرت إلى بثينة، التي كانت توزع الطعام بنفسها رغم مرور كل هذه السنوات، ثم قلت:

 

“لأن اللي يخلي الحاجة غالية… مش تمنها.”

 

“اللي يخليها غالية هو الخير اللي خرج منها.”

 

ابتسم الطفل، ثم ركض نحو بثينة ليساعدها في توزيع الوجبات.

 

نظرت إلى عم محمود، الذي كان يجلس على كرسيه يراقب المشهد مبتسمًا.

 

قال لي بصوت خافت:

 

“دلوقتي أقدر أرحل وأنا مطمن.”

 

وضعت يدي على كتفه وقلت:

 

“لسه بدري عليك.”

 

ابتسم ولم يرد.

 

وفي صباح اليوم التالي…

 

رحل عم محمود بهدوء وهو نائم.

 

لكن جنازته لم تكن كأي جنازة.

 

خرج خلف نعشه آلاف الأشخاص…

 

أطفال كبروا، وأسر أنقذتها المؤسسة، وأطباء، ومهندسون، ومتطوعون.

 

كلهم جاءوا ليودعوا الرجل الذي حاولت الخيانة أن تمحو اسمه…

 

فإذا به يترك أثرًا لا يمكن أن يمحوه الزمن.

 

وعندما انتهت مراسم الدفن، وضعت بثينة على قبره وردة بيضاء، وهمست:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *