كانت خادمتي بثينة. حكايات_ميراا

 

“وعدتك إن الحقيقة هتعيش… ووفيت بوعدي.”

 

ورحل الجميع…

 

لكن الحكاية بقيت تُروى، جيلًا بعد جيل، لتذكر الناس أن الخير، مهما بدا صغيرًا، قد يغيّر مصير أمة كاملة.مرت الأعوام…

 

وبعد وفاة عم محمود، شعرت أن شيئًا من روحي قد رحل معه.

 

لكن بثينة رفضت أن تتوقف المؤسسة يومًا واحدًا.

 

كانت تقول دائمًا:

 

“الناس الجعانة ما ينفعش تستنى حد يخلص حزنه.”

 

وفي الذكرى الأولى لوفاته، قررنا تنفيذ وصيته الأخيرة.

 

فتحنا الظرف الذي أوصى ألا يُفتح إلا بعد رحيله.

 

كان الجميع يتوقع أن نجد وصية مالية، أو أسماء جديدة، أو سرًا آخر من أسرار الماضي.

 

لكن داخل الظرف كانت توجد ورقة واحدة فقط.

 

كتب فيها بخط يده:

 

> “لو بتقرأوا الرسالة دي، يبقى أنا خلاص عند رب كريم. أوعوا تسموا أي شارع باسمي، ولا تعملوا تمثال ليا. لو عايزين تكرموني بجد… افتحوا مطبخ جديد في مكان فيه أطفال بيناموا من غير عشا.”

 

 

 

ساد الصمت.

 

ثم انفجرت بثينة في البكاء.

 

وقالت:

 

“حتى آخر وصية… كان بيفكر في غيره.”

 

نفذنا وصيته كما هي.

 

ولم نفتتح مطبخًا واحدًا فقط…

 

بل عشرة مطابخ في عشر محافظات.

 

وفي افتتاح آخر مطبخ، جاءت سيدة مسنة تستند إلى حفيدتها.

 

وقفت أمام بثينة طويلًا.

 

ثم أخرجت صورة قديمة جدًا.

 

كانت الصورة لبثينة وهي في العشرين من عمرها، تقف أمام بيت بسيط.

 

قالت السيدة:

 

“فاكراني؟”

 

حدقت بثينة في الصورة، ثم شهقت.

 

“خالة زينب!”

 

ابتسمت العجوز.

 

وقالت:

 

“يوم ما أبوكي مات، وإنتِ ما كانش معاكي تمن رغيف، جيتي بيتي وطلبتي سلفة.”

 

خفضت بثينة رأسها.

 

أكملت السيدة:

 

“أنا رفضت… وطردتك.”

 

امتلأت عيناها بالدموع.

 

وأضافت:

 

“فضلت طول عمري ندمانة.”

 

سكتت لحظة، ثم أمسكت يد بثينة.

 

وقالت:

 

“سامحيني.”

 

ابتسمت بثينة ابتسامة هادئة، وضمتها إلى صدرها.

 

وقالت:

 

“لو كنتِ ساعدتِني يومها… يمكن ما كنتش عرفت يعني إيه الجوع.”

 

“ولو ما عرفتش الجوع… يمكن ما كنتش عرفت أطعم كل الناس دول.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *