كانت خادمتي بثينة. حكايات_ميراا

 

وقالت ضاحكة:

 

“فيه ناس أولى مني.”

 

لكن الجميع أصر.

 

دخلت الغرفة، فوجدتها تنظر من النافذة إلى الأطفال وهم يلعبون في الحديقة.

 

قالت لي بهدوء:

 

“فاكر أول ليلة؟”

 

ابتسمت.

 

قلت:

 

“فاكر.”

 

قالت:

 

“كنت مرعوبة… مش من الطرد.”

 

“كنت خايفة الأطفال يناموا جعانين.”

 

أمسكت بيدها.

 

وقلت:

 

“لو رجع بيا الزمن… كنت همشي وراك من أول يوم.”

 

ابتسمت.

 

ثم أغمضت عينيها وهي تقول:

 

“الحمد لله… اللقمة وصلت.”

 

ورحلت بثينة بهدوء…

 

كما عاشت.

 

وفي يوم جنازتها، لم تستطع ساحة المسجد أن تتسع للناس.

 

لم يأتِ أصحاب المناصب ولا رجال الأعمال فقط…

 

بل جاء آلاف البسطاء.

 

كل واحد منهم يحمل قصة.

 

قصة وجبة.

 

أو دواء.

 

أو تعليم.

 

أو فرصة حياة.

 

وبعد انتهاء الدفن، وضعنا على شاهد قبرها عبارة واحدة، لم نكتب اسمها تحت أي لقب.

 

فقط:

 

“بثينة عبدالغفار… امرأة آمنت أن الطعام لا يُرمى، وأن الرحمة لا تضيع.”

 

وعندما غادر آخر المشيعين، وقفت وحدي أمام قبرها.

 

ثم همست:

 

“كنتِ متهمة بالسرقة…”

 

“لكنك سرقتِ شيئًا واحدًا فعلًا…”

 

“سرقتِ اليأس من قلوب آلاف البشر.”مرّت ثلاثون سنة…

 

وأصبحتُ أنا الرجل العجوز الذي يسير بعصاه بين مباني المؤسسة.

 

لم يعد أحد يناديني بـ”الباشا”.

 

الأطفال، الذين صاروا آباءً وأمهات، كانوا ينادونني:

 

“جدو.”

 

وفي كل عام، في نفس الليلة التي بدأت فيها الحكاية، كنا نجتمع حول مائدة بسيطة.

 

ليس فيها أطعمة فاخرة.

 

ولا مظاهر احتفال.

 

بل نفس الوجبة التي كانت بثينة تحملها في علبتها القديمة:

 

أرز…

 

وخضار…

 

وقطعة لحم صغيرة.

 

وفي أحد الأعوام، اقتربت مني حفيدتي الصغيرة وقالت:

 

“جدو… هو صحيح إن كل ده بدأ بسبب سرقة؟”

 

ابتسمت.

 

وحملتها على ركبتي.

 

وقلت:

 

“لأ يا حبيبتي…”

 

“بدأ بسبب إن إنسانة رفضت تشوف نعمة ربنا وهي بتترمي.”

 

سألتني:

 

“يعني لو ما كانتش أخدت الأكل…”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *