كانت خادمتي بثينة. حكايات_ميراا
بكت السيدة أكثر.
أما أنا، فوقفت أتأمل المشهد.
وأدركت أن بثينة لم تنتصر لأنها كانت قوية…
بل لأنها لم تسمح للألم أن يحولها إلى نسخة ممن ظلموها.
وفي نهاية اليوم، عُلقت عبارة كبيرة على مدخل كل مطبخ افتتحناه، وكانت كلمات عم محمود نفسها:
> “إذا شبعت وحدك… فأنت أكلت وجبة. وإذا أطعمت غيرك… فأنت بنيت وطنًا.”
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الناس يتذكرون بثينة على أنها الخادمة التي اتُّهمت بالسرقة…
بل المرأة التي علّمت مدينة كاملة أن اللقمة قد تكون بداية أعظم قصة رحمة.بعد خمسة عشر عامًا…
لم أعد أدير المؤسسة وحدي.
بل أصبحت تُدار على يد أولئك الأطفال الذين كانوا يومًا ينامون تحت الكوبري.
وفي صباح يوم شتوي، يشبه تمامًا الليلة التي بدأت فيها الحكاية، دخل إلى مكتبي شاب في الثلاثين من عمره.
كان يحمل علبة بلاستيكية قديمة.
ليست نفس العلبة…
لكنها تشبهها تمامًا.
قال وهو يبتسم:
“أنا اسمي كريم.”
لم أعرفه.
أكمل حديثه:
“أمي كانت من الأطفال اللي كانت بثينة بتأكلهم.”
جلس أمامي ووضع العلبة على المكتب.
وقال:
“أنا جيت أسلمكم دي.”
سألته:
“ليه؟”
قال:
“لأن المؤسسة كبرت… والناس بقت فاكرة المباني والمستشفيات والمدارس.”
ثم ابتسم وأضاف:
“لكن أنا خايف ينسوا إن كل ده بدأ بعلبة صغيرة.”
أخذت العلبة منه وأنا أشعر بغصة في حلقي.
وفي تلك اللحظة، دخلت بثينة.
كان الشيب قد غطى شعرها، لكن ملامحها الهادئة لم تتغير.
نظر كريم إليها وقال:
“أنا اتولدت بسببك.”
تعجبت بثينة.
قال مبتسمًا:
“أمي كانت حامل بيا، وكانت هتموت من الجوع لولا الأكل اللي كنتِ بتجيبيه.”
ساد الصمت.
ثم قال:
“كل يوم بصحى من النوم… أنا مدين لك بحياتي.”
جلست بثينة على الكرسي، وأخذت تبكي بصمت.
كانت تلك أول مرة أراها تبكي منذ سنوات طويلة.
وبعد أشهر قليلة، مرضت بثينة.
رفضت أن تدخل المستشفى الذي بنته المؤسسة.