كانت خادمتي بثينة. حكايات_ميراا
بعضهم أصبح طبيبًا، وبعضهم مهندسًا، وآخرون اختاروا أن يعملوا متطوعين في المؤسسة نفسها.
وفي يوم الاحتفال بمرور عشر سنوات على تأسيسها، طلبت بثينة أن تلقي كلمة.
وقفت على المسرح، وبدت متوترة.
ثم قالت:
“الناس كلها فاكرة إن حياتي اتغيرت يوم دخلت الفيلا… لكن الحقيقة إن حياتي اتغيرت يوم قررت ما أبصش على نفسي بس.”
ساد الصمت.
وأضافت:
“كنت أقدر آخد فلوس، أو مجوهرات، أو أي حاجة محدش هيلاحظها… لكن ربنا كان شاهد إن اللي كنت شايفاه أهم من أي كنز… طفل جعان.”
امتلأت القاعة بالتصفيق.
وبينما كانت تنزل من على المسرح، اقترب منها شاب في العشرينات.
ابتسم وقال:
“فاكراني؟”
نظرت إليه قليلًا، ثم هزت رأسها بالنفي.
ابتسم وهو يخرج علبة بلاستيك قديمة، متشققة من الجوانب.
تغيرت ملامحها فورًا.
قال الشاب:
“دي نفس العلبة اللي كنتِ بتجيبي فيها الأكل تحت الكوبري.”
اغرورقت عيناها بالدموع.
وأضاف:
“أنا الطفل اللي كنتِ بتقسمي اللقمة معاه كل ليلة… ولولاك، كان زماني مت في الشارع.”
فتح حقيبته، وأخرج بطاقة تعريف.
كانت مكتوبًا عليها:
“دكتور يوسف محمود – استشاري جراحة أطفال.”
قال وهو يبتسم:
“كل طفل بدخله غرفة العمليات… بدعي لك قبل ما أبدأ.”
لم تتمالك بثينة نفسها.
احتضنته وهي تبكي.
أما أنا، فكنت أقف بعيدًا أراقب المشهد.
وتذكرت الليلة التي رأيتها فيها لأول مرة وهي تحمل بقايا الطعام.
يومها، ظن الجميع أنها سارقة.
أما اليوم…
فأدرك الجميع أنها كانت تزرع مستقبلًا كاملًا داخل علبة بلاستيك قديمة.
وفي نهاية الحفل، علّقنا تلك العلبة داخل صندوق زجاجي عند مدخل المؤسسة.
وتحتها لوحة صغيرة كُتب عليها:
> “من هنا بدأت الحكاية… لقمة لم تُهدر، فأنقذت أرواحًا لا تُحصى.”
وبقي كل من يدخل المؤسسة يقف أمامها للحظات…
ليتذكر أن أعظم التغييرات في الحياة قد تبدأ بفعل صغير، لا يلتفت إليه أحد.بعد انتهاء الحفل، وبينما كان الجميع يغادر، اقترب مني رجل وقور في السبعين من عمره.