الساعة كانت 9:27 صباحًا، وكانت سلمى حسن المفروض بعد 33 دقيقة تبقى مطلقة رسميًا... لكن قبل ما تدخل المحكمة، وقعت على ركبتها تحت شجرة قديمة، وبدأت ترجع كل اللي في معدتها. رفعت راسها وهي بتتنفس بصعوبة، فاتفاجأت بجوزها واقف قدامها. آدم الراوي. الراجل اللي قضى سنين يخلي أخطر رجال الميناء يخافوا من مجرد نظرة منه. بص لها ثواني من غير ما يتكلم، وبعدين قال بهدوء مرعب: — المستشفى. سلمى مسحت بوقها بسرعة وهزت راسها. — لأ. — اركبي. — إحنا رايحين المحكمة. — غيرنا الطريق. بصت له بصدمة. — إنت مجنون؟ المحامين مستنييننا عشان نطلق! فتح آدم باب العربية، لكن قبل ما سلمى تقدر تتحرك، قرب منها وقال بصوت أوطى: — الطلاق يستنى... لو شكي طلع صح. اتسمرت مكانها. — شك إيه؟ آدم بص في عينيها مباشرة. — إنك حامل. حست سلمى إن الأرض اتسحبت من تحت رجليها. لأنها كانت متأكدة إن الحمل مستحيل... لكنها افتكرت فجأة إنها من أسبوعين بدأت تصحى كل يوم الصبح وهي حاسة بالغثيان. ولأول مرة من يوم ما قررت تسيب جوزها، خافت سلمى من الحقيقة أكتر من خوفها من آدم الراوي نفسه. --- — أنا مش حامل. قالتها سلمى بسرعة، كأنها بتحاول تقنع نفسها قبل ما تقنعه. آدم فضل واقف قدامها. — إنتِ متأكدة؟ — طبعًا. — آخر مرة جالك فيها البريود إمتى؟ اتوترت. السؤال كان بسيط. لكنها لقت نفسها مش قادرة تجاوب. — مش فاكرة. — مش فاكرة؟ — يعني... مش لازم أفتكر كل حاجة. آدم بص لها بنظرة طويلة. — بقالك كام أسبوع بتصحي الصبح تعبانة. — عادي. — ريحة القهوة بقت بتضايقك. سلمى سكتت. — والأكل اللي كنتِ بتحبيه، بقيتي بتقربي منه وترجعيه. رفعت عينيها له. — إنت كنت واخد بالك من ده كله؟ لأول مرة، اتغيرت ملامحه. — أنا باخد بالي منك. ضحكت بمرارة. — دلوقتي؟ سكت. الكلمة أصابته في مكان واضح. لكن سلمى ما كانش عندها استعداد تشفق عليه. مش بعد سنتين من الجواز قضتهم وهي حاسة إنها متجوزة راجل موجود بجسمه، لكن عقله وقلبه دايمًا في مكان تاني. قالت وهي بتشد شنطتها: — أنا داخلة المحكمة. مسك آدم إيدها. مش بعنف. لكن بالقدر اللي يخليها تقف. — مش هتدخلي. — سيب إيدي. — لما نتأكد الأول. — ولو طلعت مش حامل؟ — هتدخلي المحكمة. — ولو طلعت حامل؟ سكت آدم. سلمى ثبتت عينيها فيه. — هتعمل إيه يا آدم؟ لثواني، مفيش صوت بينهم غير دوشة الشارع. وبعدين قال: — مش هسيبك. ضحكت بسخرية. — متأخر. — مش قصدي كده. — أمال قصدك إيه؟ اقترب منها خطوة. — قصدي إن لو في طفل بينا... مش هسمح إنك تاخدي قرار وإنتِ غضبانة مني. اتسعت عينيها. — الطفل مش سبب يخليك تتحكم في حياتي. — عارف. — لأ، إنت مش عارف. طول عمرك بتقرر لوحدك. — عشان أحميكي. — أنا مش محتاجة حمايتك! صرختها خلت واحد من رجالة آدم يبص ناحيتهم. آدم رفع إيده إشارة له إنه يبعد. وبعدين رجع يبص لسلمى. — أنا عارف إنك بتكرهيني. — أنا ما قلتش إني بكرهك. — وشك بيقول. — ووشك بيقول إنك مخبي عني حاجة. اتجمد. سلمى لاحظت التغيير. — إيه اللي مخبيه؟ — مفيش. — آدم. — مفيش حاجة. — يبقى خليني أدخل المحكمة. مد إيده وفتح باب العربية. — الأول المستشفى. سلمى كانت على وشك الاعتراض، لكن فجأة دوخة قوية ضربتها. مسكت العربية عشان ما تقعش. وفي أقل من ثانية، كان آدم ماسك كتفها. — سلمى! غمضت عينيها. — أنا كويسة. — لأ، مش كويسة. حمل شنطتها من إيدها، ووجهها ناحية العربية. — اركبي. المرة دي، ما جادلتش. --- بعد حوالي عشرين دقيقة، كانت العربية بتجري في شوارع القاهرة. سلمى قاعدة في الخلف، وآدم جنبها. كانت بتبص من الشباك، مش قادرة تستوعب اللي بيحصل. كان المفروض النهارده يكون نهاية كل حاجة. كانت متخيلة إنها هتدخل المحكمة، تمضي، تخرج، وترجع بيتها تاخد باقي حاجتها. كانت متخيلة إنها أخيرًا هتتنفس. لكن احتمال صغير... مجرد احتمال إنها تكون حامل... قلب كل خططها رأسًا على عقب. لفت وشها لآدم. كان ماسك تليفونه وبيتصل بحد. — خلي الدكتور يكون جاهز أول ما نوصل. سلمى قالت: — أنا مش موافقة تعمل أي حاجة من غير إذني. قفل المكالمة وبصلها. — عارف. — ومش عايزة حد يعرف. — محدش هيعرف. — حتى رجالتك. — حتى رجالي. سكتت شوية. وبعدين سألت: — ولو التحليل طلع سلبي؟ آدم رد من غير تردد: — هرجعك المحكمة بنفسي. رفعت حاجبها. — بجد؟ — بجد. — ومش هتحاول تمنعني؟ بصلها للحظة طويلة. — لو مفيش طفل... مش همنعك. الغريب إن كلامه بدل ما يطمنها، وجعها. لأن جزء صغير جواها كان بيتمنى، ولو مرة واحدة، إنه يقول لها: أنا مش هسيبك. لكن آدم قالها فقط لو كان فيه طفل. وصلت العربية للمستشفى. وأول ما نزلت، آدم نزل وراها. الممرضات اتحركوا بسرعة لما شافوه. دخلوا سلمى غرفة الكشف. آدم وقف بره. مرّت خمس دقايق. عشر. خمستاشر. وبعدين خرجت الممرضة، وفي إيدها ورقة. بصت لآدم. وبعدين بصت لسلمى. — مدام سلمى؟ — أيوه. الممرضة ابتسمت ابتسامة غريبة. — الدكتور عايز يتكلم معاكي. سلمى قربت منها. — النتيجة ظهرت؟ الممرضة هزت راسها. — أيوه. سلمى حست قلبها وقف. — وأنا... حامل؟ الممرضة بصت لآدم، ثم رجعت لها. — أيوه، بس دي مش كل الحكاية. سلمى عقدت حواجبها. — يعني إيه؟ قبل ما الممرضة تجاوب، خرج الدكتور من الغرفة وهو ماسك الملف. نظر لسلمى، ثم لآدم. وقال بهدوء: — مبروك... حضرتك حامل. سلمى حطت إيدها على بطنها. أما آدم، ففضل ساكت. لكن الدكتور كمل جملته: — بس لازم أسألك سؤال مهم جدًا... حضرتك متأكدة إن جوزك هو الأب؟ حكايات_ميراا سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ باقي القصة هتنزل هنا 👇♥️الدكتور بصّ لسلمى بثبات، وكأنه مستني منها إجابة. — حضرتك متأكدة إن جوزك هو الأب؟ الكلمة وقعت عليها كأن حد ضربها في صدرها. سلمى فتحت بوقها، لكن صوتها ماطلعش. بصت لآدم. لأول مرة من ساعة ما دخلوا المستشفى، شافت الخوف في عينيه. مش غضب. مش شك. خوف حقيقي. قالت بسرعة: — طبعًا آدم هو الأب! الدكتور رفع إيده بهدوء. — أنا آسف، بس لازم أسأل. نتيجة التحليل بتقول إن الحمل أقدم من المتوقع. سلمى اتجمدت. — أقدم؟ الدكتور فتح الملف. — حوالي سبعة أسابيع. سلمى حسبت الأيام في دماغها. وبعدين وشها شحب. سبعة أسابيع... كان وقتها آدم مسافر. مسافر لمدة شهر كامل. رفعت عينيها له ببطء. آدم كان واقف مكانه، وشه مفيهوش أي تعبير. الدكتور لاحظ الصمت. — أنا مش عايز أتدخل في حياتكم، لكن طبيًا لازم نتأكد من التوقيت. سلمى قالت بصوت مهزوز: — يعني إيه؟ — يعني إن الحمل بدأ تقريبًا في الفترة اللي الدكتور بيحددها بناءً على التحاليل والسونار. آدم أخيرًا اتكلم. — كانت معايا قبل ما أسافر. سلمى بصت له. — مش طول الفترة. — عارف. — إنت كنت مسافر خمسة أسابيع. — عارف. سكتوا. الدكتور قفل الملف. — الأفضل تعملوا سونار وتحاليل إضافية، وبعدها نحدد عمر الحمل بشكل أدق. سلمى كانت مش قادرة تستوعب. خرجت من الغرفة وهي ماشية كأنها بتحلم. آدم لحقها. — سلمى. وقفت. — إنت شاكك فيا؟ — لأ. — الدكتور سأل سؤال، وإنت من ساعتها ساكت. — لأني بحاول أفهم. — تفهم إيه؟ قرب منها. — إزاي الحسابات مش راكبة. دموعها لمعت في عينيها. — وإنت فاكر إني أنا كمان مش عارفة؟ — أنا ما اتهمتكيش. — بس شكيت. — شكي مش فيكي. سكتت. — أمال في مين؟ آدم بص ناحية الممر الفاضي. — في التاريخ. — تاريخ إيه؟ قبل ما يرد، تليفونه رن. بص للشاشة. وتغيرت ملامحه فورًا. سلمى لاحظت. — مين؟ آدم ما ردش. المكالمة انتهت. وبعد ثواني وصلت له رسالة. فتحها. قرأها مرة. ثم مرة تانية. سلمى قربت منه. — في إيه؟ رفع عينيه لها. — الرسالة من الدكتور اللي كان متابع حالتك قبل ما نعرف إنك حامل. — وإيه اللي قاله؟ آدم لف التليفون ناحيتها. كانت الرسالة قصيرة: "لازم نتكلم فورًا. التحاليل القديمة لسلمى فيها حاجة لازم تعرفوها قبل ما تكملوا أي إجراء." سلمى حست بقلبها بيخبط. — تحاليل قديمة؟ آدم هز راسه. — إنتِ عملتي تحاليل قبل كده؟ — أيوه... من شهر تقريبًا. — وليه؟ — كنت تعبانة. — والدكتور قالك إيه؟ سلمى ابتلعت ريقها. — قال إن كل حاجة طبيعية. آدم سكت. وبعدين قال: — يبقى ليه بيقول دلوقتي إن في حاجة لازم نعرفها؟ في اللحظة دي، خرجت الممرضة من غرفة الدكتور. — مدام سلمى؟ — أيوه؟ — الدكتور محتاجك تاني. سلمى بصت لآدم. — لوحدي؟ الممرضة هزت راسها. — لأ، قال إن جوز حضرتك يدخل معاكي. دخلوا الاتنين. الدكتور كان واقف قدام شاشة الكمبيوتر. وبمجرد ما شافهم، قفل الباب. — أنا هقولكم حاجة، بس لازم تسمعوني للآخر. آدم وقف جنب سلمى. — اتفضل. الدكتور أخذ نفسًا عميقًا. — التحاليل اللي اتعملت لسلمى من شهر كان فيها مؤشر غريب. سلمى عقدت حواجبها. — إيه؟ — نسبة هرمون الحمل كانت موجودة بالفعل. اتسعت عينيها. — مستحيل. آدم بص للدكتور. — يعني كانت حامل من شهر؟ — أيوه. سلمى حطت إيدها على بطنها. لكن الدكتور كمل: — والمشكلة إن التحليل القديم مش بس بيأكد الحمل... سكت لحظة. ثم قال: — بيأكد إن الحمل كان موجود قبل سفر آدم بأيام قليلة. سلمى رفعت رأسها بسرعة. آدم بص لها. وفي اللحظة دي، الاتنين فهموا نفس الحاجة. الحمل مش سبعة أسابيع. الحمل أقدم. والحسابات كلها كانت غلط. آدم قال بصوت منخفض: — يعني الطفل ابني. الدكتور هز رأسه. — بنسبة كبيرة جدًا. سلمى أخدت نفسًا مرتجفًا. لكن قبل ما تطمئن، الدكتور فتح ملف تاني. وقال: — بس في حاجة أخطر. آدم قرب منه. — إيه؟ الدكتور بص لسلمى. — التحليل القديم كان فيه رقم تاني... وأنا ما كنتش عايز أتكلم قبل ما أتأكد. — رقم إيه؟ الدكتور أشار للشاشة. — نسبة هرمون معينة كانت أعلى من الطبيعي بشكل كبير. سلمى سألت بخوف: — وده معناه إيه؟ الدكتور سكت ثواني. ثم قال: — معناه إن الحمل محتاج متابعة دقيقة جدًا. آدم شد فكه. — يعني في خطر؟ الدكتور رد بهدوء: — مش بالضرورة. ثم نظر مباشرة لسلمى. — لكن لازم نعرف حاجة واحدة. — إيه؟ — مين الدكتور اللي كان بيتابعك قبل كده؟ سلمى قالت الاسم. الدكتور اتغير وشه. آدم لاحظ. — إنت تعرفه؟ الدكتور ما ردش. فتح الكمبيوتر، وبدأ يدور في ملف المريضة. وبعد ثواني، رفع عينيه وقال: — أنا أعرفه... بس المشكلة إنه سافر من البلد من أسبوع. سلمى همست: — ليه؟ الدكتور قفل الملف. — لأن اسمه ظهر في ق\ضية تزوير ملفات طبية. سلمى حست إن رجليها مش شايلينها. آدم مد إيده يمسكها. لكن قبل ما يلمسها، رن تليفونه مرة تانية. المرة دي الرقم كان مجهول. رد. — ألو؟ مفيش رد. ثم جاء صوت رجل من الطرف الآخر: — آدم الراوي؟ — مين؟ — لو عايز تعرف الحقيقة عن حمل سلمى... ابعد عنها فورًا. آدم اتجمد. — وإنت مين؟ الرجل ضحك ضحكة قصيرة. — الشخص اللي كان المفروض يخلص الموضوع من زمان. ثم قفل الخط. آدم بص لسلمى. ولأول مرة، ملامحه كانت مرعبة فعلًا. مش بسبب الغضب... لكن لأنه فهم إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد حمل. وقال لها: — سلمى... إنتِ لازم تقوليلي كل حاجة حصلت في الفترة اللي كنت فيها مسافر. رفعت عينيها له، والدموع على خدودها. — أنا ما عملتش حاجة. آدم قرب منها. — أنا مصدقك. — أمال بتسألني ليه؟ بص لها في عينيها وقال: — عشان حد تاني لعب في حياتنا... وأنا هعرف مين. وفي نفس اللحظة، وصلته رسالة جديدة. فتحها. وكان فيها صورة. صورة لسلمى وهي خارجة من عيادة الطبيب... ومكتوب تحتها: "لو عايز ابنك يعيش... ماتروحش المحكمة."آدم فضل باصص للصورة ثواني طويلة. ملامحه ما اتحركتش. لكن إيده اللي ماسكة التليفون شدت عليه لدرجة إن مفاصل صوابعه ابيضّت. سلمى قربت منه. — في إيه؟ قفل الشاشة بسرعة. — مفيش. — آدم، أنا شفت وشك. — سلمى... — وريني. — مش دلوقتي. — وريني! مد إيده لها في الآخر. أول ما شافت الصورة، وشها اتغير. كانت صورتها فعلًا. خارجة من العيادة من حوالي شهر. لكن اللي خوفها مش الصورة. اللي خوفها أكتر هو إن الصورة اتاخدت من مكان قريب جدًا. يعني الشخص اللي صورها كان بيراقبها. قالت بصوت مرتعش: — مين ده؟ — معرفش. — مكتوب إيه؟ آدم سحب التليفون منها. — مكتوب إننا ما نروحش المحكمة. سلمى بصت له. — إحنا كده مش هنروح؟ — لأ. — ليه؟ — لأن اللي بيهددنا عايزنا نتحرك بعصبية. — وإنت هتعمل إيه؟ آدم ابتسم ابتسامة باردة. — هخليه يفتكر إني اتخضيت. ثم خرج من الغرفة. سلمى لحقته. — آدم! وقف من غير ما يبصلها. — خليكِ هنا. — لأ. — سلمى. — أنا مش هفضل قاعدة وإنت بتقرر كل حاجة لوحدك. لف لها. — اللي بيحصل ده ممكن يكون خطر. — وأنا حياتي مش مهمة؟ — حياتك أهم حاجة. — أمال ليه سيبتني لوحدي سنتين؟ الجملة سكتته. سلمى قربت منه. — أنت فاكر إنك كنت بتحميني؟ أنت كنت بتبعدني عنك. كل مرة كنت أحتاجك فيها، كنت تختفي. كل مرة كنت أسألك عن شغلك، كنت تقوليلي "ما تسأليش". ولما قررت أطلق... فجأة بقيت مهتم؟ آدم بص للأرض. ثم قال: — عشان كنت بحاول أخليكي بعيدة عن حياتي. — ليه؟ — عشان كنت عارف إن اللي بيقرب مني بيتأذي. — واتأذيت برضه. رفع عينيه لها. — عارف. سكت لحظة. — وعشان كده كنت ناوي أسيبك تمشي النهارده. سلمى اتفاجأت. — بجد؟ — أيوه. — حتى لو كنت بتحبني؟ آدم ما ردش. لكن عينيه قالت الإجابة. سلمى دمعت. — يبقى كنت بتحبني فعلًا؟ آدم قرب منها خطوة. — أكتر مما تتخيلي. وقبل ما تكمل كلامها، صوت الدكتور قطع اللحظة. — آسف... بس لازم تشوفوا حاجة. رجعوا للغرفة. الدكتور فتح جهاز الكمبيوتر، وطلع ملف التحاليل القديمة. — أنا راجعت التاريخ والنتائج بنفسي. آدم قال: — وإيه اللي لقيته؟ الدكتور أشار إلى سطر في التقرير. — التحليل ده اتعدل. سلمى عقدت حواجبها. — اتعدل إزاي؟ — النتيجة الأصلية كانت بتقول إن الحمل موجود بنسبة معينة. — وبعدين؟ — حد دخل على النظام وعدّل التاريخ. آدم اتقدم. — مين عنده صلاحية يعمل كده؟ الدكتور سكت. ثم قال: — أنا... والطبيب اللي كان متابع حالتك، ومدير القسم. آدم سأله: — والطبيب ده فين؟ — قلتلك، سافر. — إمتى؟ — من أسبوع. آدم ابتسم بسخرية. — بعد ما بدأت تسأله عن التحاليل؟ الدكتور ما ردش. سلمى بصت له. — حضرتك كنت تعرف إن في حاجة غلط؟ — شكيت. — وسكت؟ الدكتور نزل عينيه. — كنت خايف. آدم قرب منه. — خايف من مين؟ الدكتور رد بصوت منخفض: — من نفس الشخص اللي اتصل بيكم. سلمى حست بقشعريرة. — إنت تعرفه؟ — معرفش اسمه. — أمال تعرف إيه؟ الدكتور فتح درج مكتبه وطلع ظرف بني. — الظرف ده اتساب عندي من تلات أيام. آدم أخده. — لمين؟ — ليك. فتح الظرف. جواه ورقة واحدة. آدم قرأها. وبعدين وشه اتغير. سلمى قالت: — مكتوب إيه؟ ما ردش. مد الورقة لها. كانت جملة واحدة: "أنت فاكر إنك بتدور على اللي بيهدد مراتك... لكنك لسه ما اكتشفتش مين كان بيراقبها من جوه بيتك." سلمى رفعت عينيها ببطء. — من جوه بيتنا؟ آدم سأل الدكتور: — إمتى الظرف وصل؟ — من تلات أيام. — ومقولتش ليه؟ — لأن اللي سابه قاللي لو فتحت الظرف أو كلمتك... هتكون هي أول واحدة تدفع الثمن. سلمى حطت إيدها على بطنها. آدم لاحظ الحركة. وقرب منها. — من النهارده، إنتِ مش هتباتي لوحدك. — هروح بيت أمي. — لأ. — ليه؟ — لأنهم ممكن يكونوا عارفين مكانها. — طيب أروح فين؟ آدم بص لها بثبات. — بيتي. ضحكت بمرارة. — بيتك؟ — أيوه. — البيت اللي خرجت منه وأنا بطلب الطلاق؟ — نفس البيت. — مستحيل. — سلمى... — أنا مش هرجع هناك. آدم قرب منها، وصوته بقى أهدى. — مش عشان أنا عايزك ترجعيلي. سكت لحظة. — عشان لو الشخص ده قدر يدخل معلوماتك الطبية، ويصورك، ويعرف موعد المحكمة... يبقى هو قريب جدًا منك. سلمى سكتت. ثم سألت: — وقريب مني قد إيه؟ آدم رد: — قريب لدرجة إن عنده حد جوه المستشفى. وفي اللحظة دي، الباب اتفتح فجأة. دخلت ممرضة وهي بتجري. — دكتور! الدكتور قام بسرعة. — في إيه؟ — الأمن لقى راجل غريب في الدور التالت. آدم سأله: — عمل إيه؟ الممرضة كانت بتتنفس بصعوبة. — كان بيسأل عن مدام سلمى حسن. آدم اتجمد. — قبضوا عليه؟ هزت رأسها. — لأ... — هرب؟ — أيوه. — منين؟ الممرضة بلعت ريقها. — من السلم الخلفي. آدم مسك إيد سلمى. — لازم نمشي. — ليه؟ بص لها بجدية. — لأن لو هو عرف إننا هنا... سكت. سلمى همست: — هيعمل إيه؟ آدم بص لبطنها. — هيحاول يوصل للطفل. خرجوا بسرعة من الغرفة. لكن قبل ما يوصلوا للمصعد، تليفون سلمى رن. رقم مجهول. بصت لآدم. — أرد؟ — لأ. لكن المكالمة انتهت. وبعد ثانيتين وصلت رسالة. فتحتها سلمى رغمًا عنه. وكان فيها: "مبروك يا سلمى... بس افتكري إن الطفل ده مش مجرد ابن آدم الراوي." سلمى رفعت عينيها بصدمة. وفي نفس اللحظة، وصلتها رسالة تانية: "هو مفتاح حاجة أبوكي خبّاها من عشرين سنة." اتسعت عينيها. — أبويا؟ آدم بص لها. — أبوكي إيه علاقته بالموضوع؟ سلمى هزت رأسها وهي مش فاهمة. — معرفش... لكن لأول مرة، افتكرت حاجة قديمة جدًا. حاجة أبوها قالها لها وهي طفلة، وحذرها وقتها إنها ممنوع تسأل عنها مهما حصل. والحاجة دي كانت مرتبطة باسم واحد... اسم آدم الراوي.سلمى فضلت واقفة قدام آدم، وشها شاحب. — آدم... — إيه؟ — أنا افتكرت حاجة. — قولي. — وأنا صغيرة، أبويا كان دايمًا بيقول لي جملة غريبة. آدم قرب منها. — كان بيقول إيه؟ سلمى بلعت ريقها. — "لو في يوم سألتي عن عيلة الراوي... اهربي." آدم اتجمد. لثواني، مفيش حد فيهم اتكلم. وبعدين قال: — أبوكي كان يعرف عيلتي؟ — معرفش. — اسمه إيه كامل؟ سلمى بصت له باستغراب. — إنت عمرك ما سألتني عن أبويا. — جاوبيني. — حسن عبدالسلام. آدم كرر الاسم بصوت منخفض: — حسن عبدالسلام... وفجأة، ملامحه اتغيرت. سلمى لاحظت. — إنت تعرفه؟ آدم ما ردش. — آدم، إنت تعرف أبويا؟ — أيوه. سلمى اتصدمت. — منين؟ — أبوكي كان شغال مع أبويا. — فين؟ آدم سكت. — آدم! — في الميناء. سلمى رجعت خطوة. — أبويا كان بيشتغل في الميناء؟ — مش مجرد عامل. — أمال كان إيه؟ آدم بص حواليه قبل ما يرد. — كان الشخص المسؤول عن الحسابات السرية. سلمى عقدت حواجبها. — حسابات إيه؟ — فلوس وشحنات وأسماء. — شحنات إيه؟ آدم سكت. — ممنوعات؟ هز رأسه. — حاجات أخطر. سلمى حست بقلبها بيهبط. — وإنت كنت تعرف ده وإنت بتتجوزني؟ — ما كنتش أعرف إنك بنته. سكتت. — يعني إيه؟ — أول مرة شوفتك فيها، كنتِ بالنسبة لي سلمى وبس. — ولما عرفت؟ آدم بص لها. — كنت عايز أقولك. — بس ما قلتش. — لأني كنت خايف. — خايف مني؟ — خايف عليكي. سلمى ضحكت بمرارة. — نفس الجملة تاني. آدم قرب منها. — أبوكي اختفى من عشرين سنة. — هو ما اختفاش. — إيه؟ — مات. آدم اتجمد. — إمتى؟ — وأنا عندي سبع سنين. — مين قالك إنه مات؟ — أمي. آدم سكت. ثم قال: — أبوكي ما ماتش. سلمى حسّت إن الدنيا بتلف بيها. — إنت بتقول إيه؟ — ج\ثة أبوكي عمرها ما اتسجلت. — مستحيل. — أنا كنت موجود وقتها. — كنت موجود فين؟ — في الميناء. دموع سلمى نزلت. — يعني أبويا كان عايش؟ آدم هز رأسه. — كان عايش وقتها. — وبعدها؟ — اختفى. سلمى مسكت رأسها. — ليه أمي قالت إنه مات؟ آدم بص لها. — عشان تحميكي. — من مين؟ — من الناس اللي كانوا بيدوروا عليه. وفجأة، صدر صوت من آخر الممر. خطوات. آدم رفع رأسه. في ثانية واحدة، وقف قدام سلمى. — ورايا. — مين؟ — ورايا يا سلمى. ظهر رجل من نهاية الممر. لابس بدلة سوداء، ووشه متغطي بكمامة. وقف بعيد شوية. ثم رفع إيده. في إيده مس\دس. سلمى شهقت. آدم دفعها ناحية الحائط. — انزلي! طلعت طلقة. اتكسرت لمبة في السقف. الناس بدأت تصرخ وتجري. آدم سحب سلمى ناحية باب الطوارئ. — اجري! — وإنت؟ — اجري! دخلوا السلم. آدم قفل الباب وراه. صوت خطوات الرجل قرب. سلمى كانت بتتنفس بسرعة. — هنروح فين؟ — تحت. — بس العربية فوق. — مش راجعين للعربية. — ليه؟ آدم بص لها. — لأنهم غالبًا حاطين عين عليهم. نزّلها بسرعة على السلم. لكن فجأة، سلمى وقفت. — آدم. — إيه؟ — أنا حاسة بألم. ملامحه اتغيرت. — فين؟ حطت إيدها على بطنها. — هنا. آدم قرب منها. — وجع شديد؟ — مش قوي... بس غريب. في اللحظة دي، سمعوا صوت الباب بيتفتح فوقهم. الرجل لحقهم. آدم بص لفوق، وبعدين لسلمى. — تقدري تنزلي؟ هزت رأسها. — أيوه. — يبقى انزلي. نزلوا دور كامل. وبمجرد ما وصلوا للأرضي، لقوا باب خلفي مفتوح. آدم خرج الأول. كان فيه شارع جانبي ضيق. لكن قبل ما يخرج، تليفون سلمى رن. نفس الرقم. المرة دي آدم أخده منها ورد. — إنت مين؟ صوت الرجل ضحك. — أنا مش عدوك يا آدم. — أمال مين؟ — أنا الشخص الوحيد اللي يقدر يقولك أبو سلمى فين. آدم اتجمد. — أبوها مات. — لأ. سكت الرجل لحظة. ثم قال: — وهو اللي طلب مني أحمي بنته. سلمى قربت من التليفون. — بابا عايش؟ الصوت سكت. وبعدين قال: — كان عايش لحد امبارح. سلمى شهقت. آدم شد التليفون. — إنت بتقول إيه؟ — أبوها مات لأنه رفض يقولنا مكان الحاجة. — حاجة إيه؟ — الحاجة اللي اتدفنت من عشرين سنة. آدم قال: — فين؟ الرجل ضحك. — اسأل مراتك. المكالمة انتهت. آدم بص لسلمى. — إنتِ تعرفي حاجة عن الحاجة دي؟ سلمى هزت رأسها وهي بتبكي. — لأ. ثم فجأة تذكرت. مشهد قديم. هي طفلة صغيرة. أبوها ماسك إيدها. واقف قدام صندوق خشب قديم. وقال لها: "يا سلمى... لو حصل لي حاجة، المفتاح ده ما يخرجش من رقبتك." مدت إيدها تحت هدومها بلا وعي. ولأول مرة من عشرين سنة... لمست السلسلة الصغيرة اللي كانت لابساها طول عمرها. آدم شافها. — إيه اللي في رقبتك؟ سلمى طلعت السلسلة. وفي نهايتها كان فيه مفتاح صغير جدًا. آدم بص له. وتغير وجهه. — المفتاح ده... — إيه؟ — ده مفتاح خزنة أبويا. سلمى بصت له بصدمة. — خزنة أبوك؟ — أيوه. — وإنت متأكد؟ آدم أخذ المفتاح من إيدها. كان عليه رقم محفور. 27. آدم همس: — رقم المستودع القديم. سلمى قالت: — مستودع إيه؟ رفع عينيه لها. — المستودع اللي اتحرق من عشرين سنة... ثم سكت. — واللي كل الناس قالت إن أبوكي مات فيه.آدم فضل باصص للمفتاح في إيده، وكأنه شايف قدامه شبح من الماضي. — المستودع ده اتحرق من عشرين سنة. سلمى قربت منه. — وإيه علاقة أبويا بيه؟ آدم رفع عينيه لها. — أبويا قال لي وقتها إن مفيش حد خرج من الحريق. — بس إنت لسه قايل إن أبويا اختفى. — لأن الج\ثة اللي اتسجلت باسم أبوكي ما كانتش جثته. سلمى شهقت. — يعني إيه؟ — يعني حد كان عايز الكل يصدق إن حسن عبدالسلام مات. — مين؟ آدم سكت. ثم قال: — أبويا. سلمى رجعت خطوة. — إنت بتقول إن أبوك هو اللي خبّى أبويا؟ — مش متأكد. — بس إنت قلت... — قلت إن أبويا كان موجود. سلمى مسكت رأسها. — أنا مش فاهمة حاجة. آدم قرب منها. — وأنا كمان. ثم سمعوا صوت سيارة بتقف عند آخر الشارع. آدم رفع عينه. — لازم نمشي. — على فين؟ — المستودع. — دلوقتي؟ — أيوه. — وإحنا مطلوبين من حد مسلح؟ — عشان كده لازم نروح. — ليه؟ آدم بص للمفتاح. — لأن الشخص اللي بيهددنا عايزنا نفتح الخزنة. سلمى سكتت. — ولو فتحناها؟ — هنفهم كل حاجة. ركبوا سيارة أجرة بدل عربية آدم. وبعد حوالي نص ساعة، وصلوا لمنطقة قديمة قريبة من الميناء. المكان كان شبه مهجور. مخازن قديمة. حديد مصدي. وأبواب مكسورة. آدم نزل الأول. سلمى نزلت وراه. — هو المستودع فين؟ أشار لمبنى أسود قديم. — هناك. قربوا. الباب كان مقفول بسلسلة ضخمة. آدم طلع مفتاح صغير من جيبه. — إنت معاك مفتاح؟ — مفتاح البوابة. فتح السلسلة. دخلوا. المكان كان مليان تراب وخشب قديم. سلمى بدأت تكح. — إزاي محدش هنا؟ آدم رد: — لأن المكان اتقفل رسميًا من سنين. وصلوا لنهاية المستودع. كان فيه باب حديد صغير. فوقه رقم محفور: 27. سلمى بصت لآدم. — ده هو. آدم أخذ المفتاح من إيدها. حطه في القفل. لكن قبل ما يلفه... سمعوا صوت تصفيق. بطيء. من خلفهم. — برافو يا آدم. سلمى اتجمدت. آدم لف بسرعة. رجل كبير خرج من الظلام. شعره أبيض. وفي إيده عصاية. سلمى بصت له. وبعدين حطت إيدها على بوقها. — مستحيل... آدم وقف قدامها. — إنت مين؟ الرجل ابتسم. — مش عارفني يا ابن الراوي؟ آدم قرب خطوة. وبص في وشه. وفجأة اتسعت عينيه. — عمي؟ الرجل ضحك. — أخيرًا افتكرتني. سلمى همست: — ده مين؟ آدم رد من غير ما يبعد عينه عنه: — أخو أبويا. الرجل بص لسلمى. — وإنتِ بنت حسن. سلمى هزت رأسها. — أيوه. — كنت مستني اليوم ده من سنين. آدم شد فكه. — إنت اللي بعت الرسائل؟ — لأ. — إنت اللي هددتنا؟ — لأ. — أمال مين؟ الرجل ابتسم. — الشخص اللي أنتم الاتنين بتدوروا عليه. آدم قال: — أبو سلمى؟ الرجل سكت. ثم قال: — أبوها كان عنده أمانة. — إيه؟ — الحقيقة. سلمى قربت. — حقيقة إيه؟ الرجل بص لها بحزن. — الحقيقة إن أبوكي ما كانش خائن. سلمى شهقت. — أمي قالت إنه خان أبوك. — أمك كانت بتحاول تحميكي. آدم بص لعمه. — من مين؟ الرجل أشار للباب الحديد. — افتح. آدم لف المفتاح. صدر صوت طقطقة. الباب انفتح ببطء. جوه الغرفة كانت فيه خزنة ضخمة. وعليها نفس رقم المفتاح. 27. لكن المفاجأة كانت إن الخزنة مفتوحة أصلًا. سلمى قربت. — حد فتحها قبلنا. آدم دخل. جواها كان فيه صندوق خشب. ملفات. صور. وشريط تسجيل قديم. آدم مسك الشريط. لكن عمه قال: — سيب ده. — ليه؟ — لأنك لو سمعته، حياتك هتتغير. آدم رد: — حياتي اتغيرت من زمان. ووضع الشريط في جهاز قديم كان موجود على الرف. اشتغل الجهاز بصوت مشوش. ثم ظهر صوت رجل. صوت قديم... لكن سلمى عرفته فورًا. وقعت على ركبتيها. — بابا... الصوت قال: "لو التسجيل ده اتسمع، يبقى أنا غالبًا مت." سلمى بدأت تبكي. وصوت والدها كمل: "سلمى... لو إنتِ سامعة صوتي دلوقتي، لازم تعرفي إن آدم الراوي مش عدوك." آدم اتجمد. والتسجيل كمل: "أنا طلبت منه يتجوزك." سلمى رفعت عينيها لآدم بصدمة. أما هو فكان واقف بلا حركة. ثم جاء الجزء الأخطر. صوت حسن قال: "لأن ابن الراوي هو الوحيد اللي أقدر أأمنه على بنتي..." سلمى شهقت. ثم انقطع التسجيل فجأة. آدم ضرب الجهاز بإيده. — ليه وقف؟ عمه قال بهدوء: — لأن الجزء التاني في مكان تاني. آدم لف له. — فين؟ الرجل أشار لسلمى. — معاها. سلمى بصت لنفسها بخوف. — معايا إزاي؟ الرجل أشار لبطنها. — أبوكي ما كانش بيحميك إنتِ بس يا سلمى. ثم قال: — كان بيحمي الطفل اللي في بطنك. آدم اتجمد. — إنت عارف بالحمل من إمتى؟ الرجل ابتسم. — قبل ما أنتم تعرفوا. وفي اللحظة نفسها... اتسمع صوت رصاصة من خارج المستودع. عمه وقع على الأرض. وسلمى صرخت. آدم سحبها خلف الصندوق. ثم نظر للباب. — اقفلي الباب! سلمى قفلته بسرعة. ومن بره جاء صوت الرجل الغامض: — آدم! آدم شد قبضته. الصوت كمل: — المرة دي مش جاي آخد المفتاح... سكت لحظة. — جاي آخد سلمى.آدم شد سلمى ورا الصندوق، وحط إيده على بوقها عشان يمنعها تصرخ. بره، صوت خطوات كان بيقرب ببطء. خطوة... خطوة... خطوة. سلمى كانت بتترعش. همست: — عمي... آدم بص للرجل الواقع على الأرض. — لسه عايش. — نعمل إيه؟ — نستنى. — نستنى إيه؟ آدم قرب من ودنها. — لما أقولك اجري، تجري من غير ما تبصي وراكي. سلمى هزت رأسها. وفجأة... الباب الحديد بدأ يتفتح. آدم رفع إيده. ولما الباب فتح نص فتحة، اندفع ناحيته بكل قوته. اتسمع صوت ارتطام. صرخة. وبعدين ضربات متتالية. سلمى غمضت عينيها. ثواني... وسمعته بيقول: — سلمى! دلوقتي! فتحت عينيها وجريت. خرجت من الغرفة ووقفت عند أول الممر. لكن فجأة ظهر رجل تاني قدامها. مسك دراعها. — تعالى. سلمى صرخت. — آدم! في لحظة، آدم ظهر من وراه. ضرب الرجل وأسقطه. — اجري! جريت ناحية الباب. لكن قبل ما تخرج، سمعت صوت طلق ناري. لفت. آدم كان واقع على ركبته. — آدم! صرخت ورجعت له. — ابعدي! — إنت اتصبت؟ — مش مهم. — في دم! حط إيده على كتفه. — مجرد خدش. — إنت بتكدب. — سلمى، اسمعيني. أمسك إيدها. — لازم نخرج من هنا. ساعدته يقوم. لكن عمه كان واقف عند الباب، وبيمسك كتفه المصاب. — استنوا. آدم بص له. — إنت اتصبت! — مش أول مرة. مد له شريط التسجيل. — خد ده. آدم أخده. — الجزء التاني؟ الرجل هز رأسه. — شغله لما تبقوا في مكان آمن. سلمى بصت له. — وإنت؟ ابتسم. — أنا عندي حساب قديم لازم أقفله. — مع مين؟ بص ناحية الباب. — مع أخويا. سلمى اتجمدت. — أبو آدم؟ الرجل هز رأسه. — أبو آدم مات من سنين. ثم قال: — لكن اللي ورث أسراره لسه عايش. خرج آدم مع سلمى. ركبوا أول سيارة لقوها. وأول ما اتحركت، آدم حط إيده على كتفه. سلمى كانت بتبص له. — لازم نروح مستشفى. — بعدين. — لا، دلوقتي. — سلمى... — إنت عندك طفل مسؤول عنه. بص لها. الكلمة وقفته. طفل. ابنه. لأول مرة، حط إيده على بطنها. برفق شديد. سلمى اتوترت، لكنها ما بعدتش. آدم قال بصوت منخفض: — أنا لسه مش مصدق. — إيه؟ — إن عندي عيلة. سلمى بصت من الشباك. — كان ممكن يكون عندك من زمان. — عارف. سكتوا. وبعد دقائق، وصلوا لشقة قديمة كانت تخص آدم. دخلوا وقفّل الباب. آدم حط شريط التسجيل في جهاز قديم. ضغط تشغيل. صوت حسن رجع من جديد. "لو بتسمع الجزء ده، يبقى المفتاح وصل لسلمى..." آدم وسلّمى بصوا لبعض. الصوت كمل: "أنا عارف إن آدم هيحاول يحميها، وعارف إن سلمى هتكرهني لو عرفت الحقيقة." سلمى دموعها نزلت. "لكن مفيش وقت للندم." صمت ثواني. ثم قال: "آدم، ابنك مش مجرد حفيدك." آدم قرب من الجهاز. "هو آخر وريث لشيء بدأه أبوك من عشرين سنة." آدم عقد حواجبه. "والطفل اللي في بطن سلمى هو المفتاح." انقطع الصوت. سلمى بصت لآدم. — يعني إيه المفتاح؟ آدم ما ردش. ضغط تشغيل مرة تانية. لكن الشريط خلص. — مفيش أكتر. سلمى مسكت بطنها. — أنا مش فاهمة. آدم وقف. — وأنا كمان. فجأة... سمعوا صوت خبط على الباب. مرة. اتنين. تلاتة. آدم أشار لها تسكت. الخبط وقف. ثم جاء صوت امرأة من الخارج: — سلمى؟ سلمى اتجمدت. — أمي؟ آدم بص لها. — أمك؟ هزت رأسها. — أيوه. الصوت جاء تاني: — سلمى، افتحي... أنا عارفة إنك هنا. آدم قرب من الباب ونظر من العين السحرية. وجهه تغير. سلمى همست: — مين؟ آدم رد: — مش أمك. — إزاي؟ — لأن أمك... سكت. — أمك ماتت من ست سنين. سلمى حست بالدم اتسحب من وشها. الصوت خلف الباب بدأ يضحك. ثم قال: — آدم... افتح. آدم مسك س\لاحه. الصوت كمل: — لو ما فتحتش، هقول لسلمى الحقيقة اللي أبوها أخفاها عنها. سلمى قربت من الباب. — إيه الحقيقة؟ الصوت رد فورًا: — إن أبوكي ما طلبش من آدم يتجوزك عشان يحميكي. سكت لحظة. — طلب منه يتجوزك... عشان يخلف منك طفل. آدم بص لسلمى. والدم اتجمد في عروقها. الصوت تابع: — لأن الطفل ده هو الوريث الوحيد للمفتاح. ثم جاءت الجملة الأخيرة: — ولو عايزة تعرفي مين أبو الطفل الحقيقي... سلمى حطت إيدها على بطنها. — مين؟ الصوت ضحك. — افتحي الباب.سلمى فضلت واقفة قدام الباب، مش قادرة تتحرك. جملة واحدة كانت بتدور في دماغها: "لو عايزة تعرفي مين أبو الطفل الحقيقي..." بصت لآدم. كان واقف قدام الباب، وس\لاحه في إيده. — آدم... — ما تسمعيش له. — بس هو قال... — عايز يدخلنا في لعبة. الصوت من بره ضحك. — مش لعبة يا سلمى. سلمى قربت من الباب. — إنت مين؟ — شخص أبوكي كان بيثق فيه. — كداب. — لو كنت كداب، ما كنتش عرفت اسم أمك. سلمى سكتت. الصوت كمل: — ولا كنت عرفت إن أبوكي خبّى الحقيقة في المستودع 27. آدم رفع صوته: — قول إنت عايز إيه؟ — عايز سلمى. — مستحيل. — يبقى اسمع. سكت الرجل لحظة. ثم قال: — آدم، أنت فاكر إنك اتجوزت سلمى بالصدفة؟ آدم ما ردش. — أبوك كان عارف إن حسن عبدالسلام عنده بنت. سلمى بصت لآدم. — إنت كنت تعرفني قبل ما نتجوز؟ — لأ. الصوت ضحك. — مش هو اللي كان يعرفها. ثم قال: — أنت كنت تعرفها. سلمى اتصدمت. — أنا؟ — وإنتِ طفلة. بدأت ذاكرتها تتحرك. بيت قديم. رجل طويل. صوت سيارة. ومشهد مشوش لطفل صغير كان بيديها قطعة شوكولاتة. سلمى حطت إيدها على رأسها. — أنا مش فاكرة. آدم بص لها. — سلمى؟ — في حاجة... — إيه؟ — أنا شفتك قبل كده. آدم اتجمد. — إمتى؟ — وأنا صغيرة. صوت الرجل من بره قال: — أخيرًا افتكرتي. سلمى قربت من الباب. — إنت مين؟ — اسمي فارس. آدم شد فكه. — فارس... عرف الاسم. — إنت كنت شغال مع أبويا. — بالضبط. — وإنت اللي قتلت حسن؟ سكت فارس. ثم قال: — أبوكي ما اتقتلش. — إنت قلت إنه مات! — قلت إنه مات عشان أحميكي. سلمى صرخت: — من إيه؟ الصوت رد بهدوء: — من الحقيقة. آدم بص لسلمى. — ما تفتحيش. لكن سلمى كانت بتبكي. — أنا تعبت من الأسرار يا آدم. — عارف. — كل الناس بتعرف حاجة عن حياتي إلا أنا. — عشان كده مش هفتح. فارس ضحك. — قرار ذكي. ثم سمعوا صوت مفتاح بيدخل في القفل. آدم رفع س\لاح. — إزاي معاك مفتاح؟ صوت فارس رد: — لأن الشقة دي كانت شقتي قبل ما تكون شقتك. الباب بدأ يتفتح. آدم سحب سلمى للخلف. لكن فجأة... الباب اتفتح. وظهر فارس. رجل في أواخر الخمسينات، شعره رمادي، ووشه هادي بشكل مخيف. رفع إيده. — لو كنت عايز أقتلك، كنت قتلتك من بدري. آدم صوب الس\لاح عليه. — ارمي أي حاجة في إيدك. فارس ابتسم. — أنا جاي لوحدي. ثم بص لسلمى. — زي ما وعدت أبوكي. سلمى خرجت من ورا آدم. — بابا فين؟ فارس بص لها بحزن. — مات. — إمتى؟ — امبارح. دموعها نزلت. — مين قتله؟ فارس ما ردش. آدم سأله: — مين؟ فارس بص له. — أبوك. آدم اتجمد. — أبويا مات من عشرين سنة. — أبوك مات. — يبقى إنت بتتكلم عن مين؟ فارس قال: — عن الرجل اللي كان بيشتغل باسم أبوك. سلمى سألت: — مين؟ فارس أخرج صورة قديمة من جيبه. حطها على الطاولة. سلمى قربت. الصورة كانت لرجلين واقفين قدام المستودع. واحد منهم كان والدها. والتاني... كان آدم. سلمى شهقت. — ده إنت! آدم بص للصورة. وشه شحب. — مستحيل. فارس قال: — الصورة اتاخدت قبل ما آدم يعرفك بخمس سنين. سلمى بصت له. — إزاي؟ آدم مسك الصورة. — أنا كنت فين وقتها؟ فارس رد: — مش آدم. سكت لحظة. — أخوه التوأم. آدم رفع عينيه بصدمة. — أنا معنديش أخ. فارس ابتسم. — دي أول كذبة أبوك قالهالك. سلمى حست إن قلبها هيقف. — آدم... عندك أخ؟ فارس هز رأسه. — كان عنده. — فين؟ — مات. آدم قال بسرعة: — إمتى؟ فارس رد: — من سبع سنين. سلمى حسبت في دماغها. سبع سنين... يعني قبل ما تتجوز آدم بوقت قصير. فارس قرب منها. — وأبوكي كان آخر شخص شافه حي. آدم قبض إيده. — إنت عايز توصلنا لإيه؟ فارس بص لسلمى. — إن الشخص اللي بيطاردكم مش عايز الطفل. سكت. — عايز يعرف إذا كان الطفل هو ابن آدم فعلًا. سلمى شهقت. — طبعًا ابنه! فارس قال: — أنا عارف. — أمال ليه؟ — لأن الطفل يحمل نفس العلامة اللي كان يحملها أخو آدم. آدم بص له بعدم فهم. — أي علامة؟ فارس أشار لبطن سلمى. — علامة وراثية نادرة. ثم قال: — والدكتور اللي قال إن الحمل محتاج متابعة... سكت. — ما كانش بيحاول يعالجها. آدم رفع الس\لاح أكتر. — كان بيعمل إيه؟ فارس رد: — كان بيتأكد إن الطفل لسه عايش. وفي اللحظة نفسها... اتسمع صوت انفجار ضخم من الشارع. الزجاج اتكسر. سلمى صرخت. آدم اندفع عليها وحماها بجسمه. ولما رفع رأسه، شاف فارس واقع على الأرض. وفي صدره دم. فتح عينيه بصعوبة وقال: — اهربوا... آدم قرب منه. — مين اللي ضربك؟ فارس حاول يتكلم. — الشخص... ثم شهق. — الشخص اللي سلمى فاكرة إنه مات من عشرين سنة. سلمى همست: — مين؟ فارس بص لها للمرة الأخيرة. وقال: — أبوكي. ثم أغمض عينيه.سلمى فضلت باصة لفارس، مش مستوعبة الكلمة الأخيرة. — أبويا؟ آدم انحنى يتأكد من نبضه. — مات. سلمى رجعت لورا، وحطت إيدها على بطنها. — مستحيل... أبويا مات من عشرين سنة. آدم وقف. — لازم نمشي. — لأ. — سلمى، المكان مش آمن. — أنا مش همشي قبل ما أفهم. — هنفهم، بس مش هنا. — إنت عايز تهرب من الحقيقة زي كل مرة! آدم بص لها. الجملة وجعته، لكنه ما ردش. وفجأة سمعوا صوت سيارات بتقف تحت العمارة. آدم قرب من الشباك. ثلاث عربيات سودا. رجالة نزلت منها. — لقونا. سلمى اتوترت. — نعمل إيه؟ آدم فتح باب شقة جانبية. — تعالي. — دي شقة مين؟ — كانت لأخويا. سلمى وقفت مكانها. — أخوك التوأم؟ آدم هز رأسه. — أيوه. دخلوا شقة صغيرة مليانة تراب وصور قديمة. آدم قفل الباب. وبدأ يدور في الأدراج. — بتدور على إيه؟ — حاجة كان مخبيها. — إيه؟ — مش عارف. سلمى بصت للصور المعلقة على الحائط. وفجأة وقفت. كانت فيه صورة قديمة لثلاثة أطفال. طفلين شبه بعض تمامًا... وبنت صغيرة واقفة بينهم. سلمى قربت. قلبها بدأ يخبط. — آدم... — إيه؟ — البنت دي أنا. آدم بص للصورة. وشه اتغير. — مستحيل. — دي أنا. — الصورة دي... — إيه؟ — اتصورت قبل ما أعرفك. سلمى بصت للطفلين. — واحد فيهم إنت؟ آدم هز رأسه. — الاتنين. — وإنتوا كنتوا تعرفوني؟ — أنا مش فاكر. سلمى قربت من الصورة أكتر. ثم شافت حاجة صغيرة في إيد الطفل الواقف على اليمين. مفتاح. نفس المفتاح اللي في رقبتها. — ده مفتاحي. آدم بص للصورة. — لأ. — هو نفسه. — المفتاح كان مع أخويا. سلمى رفعت عينيها. — يعني إيه؟ آدم قرب من الصورة. كان خلفها تاريخ مكتوب بالقلم: 17 أغسطس 2006. وتحت التاريخ جملة: "الطفلة سلمى... آخر ورقة في الاتفاق." آدم اتجمد. — اتفاق إيه؟ قبل ما يكمّل، سمعوا صوت خبط على الباب. ثلاث خبطات. ثم صوت رجل: — آدم الراوي... إحنا عارفين إنك جوه. سلمى قربت منه. — هيقتلونا؟ آدم مسك إيدها. — مش لو خرجنا من هنا. فتح درج قديم. وجد مس\دسًا وورقة مطوية. فتح الورقة. كانت مكتوبة بخط أخوه. "لو آدم وصل للورقة دي، يبقى أنا فشلت." آدم كمل القراءة. "ما تثقش في فارس." اتسعت عينيه. — فارس كان بيكدب. سلمى سألت: — في إيه؟ قرأ السطر التالي. "أبو سلمى مش ميت." سلمى حطت إيدها على بوقها. ثم كمل: "هو عايش، لكن مش هو اللي بيحرك اللعبة." آدم قلب الورقة. في ظهرها كان فيه عنوان. مخزن 14 — الميناء القديم. وتحت العنوان: "هتلاقي حسن هناك." سلمى دموعها نزلت. — أبويا عايش؟ آدم هز رأسه. — احتمال كبير. فجأة الباب بدأ يتكسر. آدم مسك يدها. — لازم ننزل من الشباك. — الدور الخامس! — فيه سلم طوارئ. — وإنت مصاب! — لسه قادر. فتح الشباك. نزل الأول. ثم مد إيده لها. سلمى بدأت تنزل. لكن أول ما وصلت للسلم، سمعت صوت طفل صغير. بكت. — آدم... — إيه؟ — أنا سامعة طفل. سكت. كان الصوت جاي من شقة مجاورة. بكاء طفل. آدم بص للباب. — مستحيل. — لازم نشوف. — سلمى، مفيش وقت. — لو طفل جوه، مش هسيبه. رجعوا بسرعة. كسر آدم باب الشقة. كانت فاضية. لكن في منتصف الغرفة كان فيه سرير أطفال. وفوقه ظرف أبيض. سلمى قربت منه. فتحت الظرف. جواه صورة أشعة. صورة لجنين. وفي أسفل الورقة اسمها. سلمى حسن. وتاريخ التحليل... قبل زواجها بآدم بشهر. سلمى وقعت الصورة من إيدها. — دي مش صورتي. آدم التقطها. وبص لها. — لأ. — يبقى صورة مين؟ آدم قلب الورقة. كان مكتوب: "العينة رقم 27." وفي اللحظة دي، ظهر صوت من خلفهم: — أخيرًا وصلتوا. لفوا بسرعة. رجل واقف عند الباب. سلمى شهقت. آدم صوب س\لاح. الرجل رفع إيديه. — ما تضربنيش. سلمى بصت له. وشها اتجمد. — إنت... الرجل كان شبه آدم تمامًا. نفس العينين. نفس الملامح. نفس الصوت. ابتسم وقال: — وحشتيني يا سلمى. آدم ما قدرش يتكلم. الرجل بص له. — وأنت كمان يا أخويا. ثم مد إيده لسلمى. — أنا اسمي ياسين الراوي. سلمى رجعت خطوة. — لكنهم قالوا إنك ميت. ابتسم ياسين. — كانوا عايزينك تصدقي كده. آدم رفع الس\لاح. — إنت كنت فين؟ ياسين بص له. — في المكان اللي أبو سلمى خبّاني فيه. سلمى سألت بصوت مرتعش: — وأبويا؟ ياسين ابتسم ابتسامة غامضة. — لو عايزة تشوفيه... أشار للباب. — تعالي معايا. آدم وقف قدامها. — مش هتروح في حتة. ياسين ضحك. — لسه زي ما أنت يا آدم. ثم نظر إلى بطن سلمى. وتغيرت ابتسامته. — بس المرة دي... الموضوع مش عنك. — عن إيه؟ ياسين قال: — عن الطفل اللي في بطنها. ثم أخرج هاتفه. وشغل تسجيلًا. ظهر صوت حسن عبدالسلام. "سلمى... لو وصلتي لياسين، يبقى لازم تعرفي الحقيقة الأخيرة..." الصوت توقف لحظة. ثم قال: "آدم مش أبو الطفل." سلمى شهقت. وآدم تجمد. ياسين بص لهم. — دلوقتي... نبدأ الحكاية الحقيقية.سلمى حسّت إن ودانها بطلت تسمع. الكلمة الوحيدة اللي فضلت ترن في دماغها: "آدم مش أبو الطفل." بصت لآدم. كان واقف مكانه، والس\لاح في إيده، لكن صوابعه ارتخت. — قول له إنه كداب. صوتها خرج ضعيف. آدم بص لها. — هو كداب. ياسين ضحك. — كنت مستني اللحظة دي. آدم صوب الس\لاح ناحيته. — اسكت. — لو قتلتني، مش هتعرف الحقيقة. — أنا مش محتاج أعرف منك حاجة. ياسين أخرج فلاشة صغيرة من جيبه. — دي فيها كل التحاليل. سلمى قربت خطوة. — تحاليل إيه؟ — تحاليل الحمل. آدم قال بغضب: — إنت كنت بتراقبها؟ — من قبل ما تتجوزك. سلمى بصت له برعب. — ليه؟ ياسين سكت لحظة. — لأن أبوكي طلب مني أحميكي. — زي ما قال فارس؟ ياسين ابتسم. — فارس كان بيحمي السر... أنا كنت بحميكي إنتِ. آدم قال: — والطفل؟ ياسين بص له. — الطفل مش ابنك بيولوجيًا. سلمى صرخت: — مستحيل! — اسمعيني. — لأ! — سلمى... — أنا عارفة ابني. ياسين هز رأسه. — وأنا ما قلتش إن الطفل مش ابن آدم كأب. سكت. ثم قال: — قلت إنه مش ابنه بيولوجيًا. آدم عقد حواجبه. — يعني إيه؟ ياسين أخرج ورقة. — لأن العينة اللي اتعمل عليها التحليل اتبدلت. سلمى بصت له بعدم فهم. — اتبدلت؟ — أيوه. — إمتى؟ — قبل ما التحليل يوصل للدكتور. آدم اقترب. — مين بدّلها؟ ياسين قال: — الدكتور اللي كان بيتابعها. سلمى شهقت. — يعني نتيجة الأبوة مزورة؟ — لأ. — أمال؟ ياسين بص لآدم. — لأننا لسه ما عملناش تحليل أبوة أصلًا. الصمت ملأ الغرفة. آدم أنزل الس\لاح ببطء. — يعني كل ده كان مبني على شك؟ — بالضبط. سلمى مسحت دموعها. — يبقى ليه أبويا قال في التسجيل إن آدم مش الأب؟ ياسين شغل الجزء الأخير من التسجيل. رجع صوت حسن. "لو سلمى سمعت الجملة دي، يبقى لازم تعرف إن آدم مش الأب..." صمت التسجيل لحظة. ثم عاد الصوت: "...مش لأن الطفل مش ابنه، لكن لأن آدم نفسه مش الشخص اللي فاكرة إنها اتجوزته." سلمى رفعت عينيها ببطء. آدم اتجمد. ياسين قال: — دلوقتي فهمتي؟ سلمى بصت لآدم. — إنت مين؟ آدم ما ردش. ياسين قال: — الراجل اللي اتجوزتيه من سنتين... ثم أشار لآدم. — هو فعلًا آدم الراوي. سلمى تنفست براحة. لكن ياسين كمل: — بس آدم اللي كان المفروض يتجوزك... مات من سبع سنين. سلمى اتجمدت. — إيه؟ آدم صرخ: — كفاية! ياسين بص له. — قول لها. — مش هنا. — إمتى؟ بعد ما تكتشف كل حاجة لوحدها؟ سلمى قربت من آدم. — أنا مش فاهمة. آدم غمض عينيه. ثم قال: — أنا عندي أخ توأم. — ياسين؟ — أيوه. — وإنت قلت إنك ما تعرفش إن عندك أخ. — كذبت. سلمى رجعت خطوة. — ليه؟ آدم بص لها بعينين مليانين وجع. — لأن أبويا أجبرني أنسى وجوده. — إزاي؟ — بعد ما حصلت الخيانة. — خيانة إيه؟ آدم سكت. ياسين هو اللي جاوب: — أبوهم كان بيشتغل مع حسن عبدالسلام. ثم أخرج ملفًا. — وفي ليلة الحريق، حسن اكتشف إن أبو آدم كان بيهرب شحنات من الميناء لحسابه. سلمى قالت: — وأبويا حاول يوقفه؟ — أيوه. — وعشان كده حصل الحريق؟ — أيوه. آدم بص للأرض. — وأخويا كان شاهد. سلمى بدأت تفهم. — فخبّيتوا ياسين؟ — لأ. ياسين قال: — هم حاولوا يقتلوني. — لكنك نجوت. — أبوكي أنقذني. سلمى دموعها نزلت. — وأبويا؟ ياسين رد: — هرب. — وعاش كل السنين دي؟ — أيوه. — فين؟ ياسين فتح هاتفه. وأراها صورة لرجل كبير يقف أمام بحر. سلمى حطت إيدها على قلبها. — ده بابا... آدم قرب منها. — متأكدة؟ — أنا مستحيل أنساه. ياسين قال: — الصورة اتاخدت امبارح. سلمى رفعت عينيها بسرعة. — هو فين؟ — مخزن 14. آدم قال: — هنروح له. ياسين هز رأسه. — لأ. — ليه؟ — لأن المكان مراقب. — يبقى ناخد رجالي. — رجالك هما أول ناس هيعرفوا مكانه. آدم سكت. سلمى بصت لياسين. — أمال نعمل إيه؟ ياسين ابتسم. — نروح إحنا التلاتة. لكن قبل ما يتحركوا، تليفون آدم رن. نظر للشاشة. رقم مجهول. فتح الخط. صوت رجل عجوز جاء من الطرف الآخر: — آدم... آدم اتجمد. سلمى قربت. الصوت قال: — لو معاك سلمى... ما تجيبهاش للمخزن. آدم قال: — مين؟ صمت ثانيتين. ثم جاء الرد: — أنا حسن. سلمى شهقت. — بابا! أخذت الهاتف من آدم. — بابا؟! جاء صوت أبيها مرتجفًا: — سلمى... اسمعيني كويس. — إنت فين؟ — متسأليش. — ليه؟ أنا بدور عليك من عشرين سنة! — لأنهم لو عرفوا إنك عرفتِ إني عايش، هيقتلوك. — مين؟ صمت. ثم قال: — الشخص اللي كان بيربيكي طول السنين دي. سلمى عقدت حواجبها. — مين؟ حسن قال: — أمك. سلمى شهقت. — أمي ماتت! صوت أبيها ارتجف. — أمك ما ماتتش يا بنتي. سكت لحظة. ثم قال: — والست اللي دفنتوها من ست سنين... توقف صوته. — ما كانتش أمك.سلمى فضلت ماسكة التليفون، مش قادرة تنطق. — بابا... إنت بتقول إيه؟ صوت حسن كان بيرتجف. — الست اللي دفنتوها مش أمك. — أمال مين؟ — واحدة كانت شبهها. سلمى حطت إيدها على الحيطة عشان ما تقعش. — يعني أمي عايشة؟ — أيوه. — فين؟ — مش عارف. — إزاي مش عارف؟! — لأنها هربت. آدم قرب منها. — من مين؟ حسن سكت. ثم قال: — مني. سلمى اتجمدت. — منك؟ — أنا كنت السبب في كل اللي حصل. — ليه؟ — عشان أحميكي. — كل الناس بتقول إنها بتحميني! صوتها اتكسر. — وفي الآخر أنا اللي اتعذبت! حسن سكت طويلًا. ثم قال: — معاكي حق. سلمى بكت. — أنا عايزة أشوفك. — مش دلوقتي. — لازم. — لو جيتي، هتموتي. — مش فارقة. آدم تدخل: — أنا معاها. حسن سكت. ثم قال: — آدم... — أيوه. — لو فعلًا ناوي تحميها، لازم تعرف الحقيقة كلها. آدم شد فكه. — قول. — الطفل اللي في بطن سلمى... سلمى حبست نفسها. — ماله؟ حسن قال: — هو مش مفتاح لفلوس. آدم عقد حواجبه. — أمال إيه؟ — هو مفتاح لخزنة فيها أسماء كل الناس اللي شاركوا في شبكة الميناء من عشرين سنة. سلمى قالت: — وليه الطفل؟ — لأن الخزنة ما بتفتحش غير بعينة دم من نسل الشخص اللي أسس الشبكة. آدم بص لياسين. ياسين قال: — الجد الأكبر. حسن كمل: — والطفل ده من نسل الراوي. سلمى بصت لآدم. — يعني... — يعني لو الطفل اتولد، الخزنة ممكن تتفتح. سكت. ثم قال: — وعشان كده هما عايزين الطفل. آدم قال: — مين هما؟ حسن رد: — الناس اللي بتخاف من الحقيقة. وفجأة سمعوا صوت ارتطام عند باب الشقة. آدم رفع س\لاحه. ياسين وقف جنب الباب. سلمى تراجعت. حسن قال من التليفون: — لازم تقفلي الخط. — بابا! — سلمى... — نعم؟ — لو شوفتي أمك... سكت. — ما تثقيش فيها. المكالمة انتهت. سلمى بصت للشاشة. — بابا؟ مفيش رد. آدم قال: — لازم نمشي. لكن قبل ما يتحركوا، الباب اتفتح بعنف. دخل أربعة رجال. آدم اندفع عليهم. ياسين تحرك في نفس اللحظة. سلمى جريت ناحية المطبخ. سمعت صوت خبط وصرخات. اختبأت خلف الحائط. لكن فجأة ظهر رجل قدامها. مسكها من ذراعها. — تعالي. صرخت. — سيبني! قبل ما يقدر يسحبها، ظهر آدم وضربه. الرجل وقع. آدم مسك إيدها. — اجري! خرجوا من الشقة. نزلوا السلم بسرعة. لكن عند باب العمارة كان فيه عربية سودا مستنياهم. ياسين قال: — مش من هنا. دخلوا شارع جانبي. جروا لحد ما وصلوا لمخزن قديم. آدم فتح الباب. دخلوا. سلمى كانت بتتنفس بصعوبة. — أنا مش قادرة. آدم سندها. — اقعدي. — أنا كويسة. — اقعدي. جلست. ياسين بص لآدم. — لازم نعرف مين كان بيسرب أخبارنا. آدم قال: — أنا عارف. — مين؟ — واحد من رجالي. سلمى بصت له. — متأكد؟ — الشخص اللي عرف إننا في المستشفى، وعرف موضوع المحكمة، وعرف إننا رايحين المستودع. ياسين قال: — مين؟ آدم أخرج هاتفه. — حسام. ياسين اتجمد. — مستحيل. آدم بص له. — ليه؟ — لأن حسام مات من سبع سنين. آدم سكت. — إيه؟ ياسين قال: — مات في نفس الليلة اللي اختفى فيها أخويا. آدم رفع رأسه ببطء. — يبقى مين اللي كان بيتصل بيا؟ في اللحظة نفسها، رن هاتفه. نفس الاسم ظهر على الشاشة: حسام. سلمى بصت للهاتف. — ما تردش. لكن آدم رد. — ألو؟ صوت الرجل جاء هادئًا: — اتأخرتوا. آدم قال: — إنت مين؟ — إنت عارف. — حسام مات. ضحكة قصيرة. — اللي مات هو الشخص اللي كان اسمه حسام. آدم سكت. — أمال مين؟ الصوت رد: — الشخص اللي كان أبوك بيشتغل عنده. سلمى قربت من آدم. — مين؟ الصوت قال: — اسأل أخوك. آدم بص لياسين. ياسين وشه شحب. — هو... — مين؟ ياسين همس: — رئيس الشبكة. آدم قال: — مين؟ ياسين رد بصوت مرتعش: — عمك. آدم رفع عينيه. — عمي مات. ياسين هز رأسه. — لأ. — إنت شفته؟ — أيوه. — إمتى؟ ياسين قال: — من يومين. سلمى قالت: — فين؟ ياسين بص لها. — في بيت أمك. سلمى اتجمدت. — أمي؟ — أيوه. وفي اللحظة دي، وصلتهم رسالة. صورة لبيت قديم. وفي الصورة كانت امرأة واقفة عند الشباك. سلمى قربت الهاتف من عينيها. وبدأت تبكي. — دي أمي. آدم بص للصورة. لكن ياسين قال: — لأ. سلمى بصت له. — دي أمك فعلًا... ثم أشار إلى الرجل الواقف خلفها. — لكن الراجل اللي واقف وراها... توقف. — ده عم آدم. سلمى شهقت. وفي نفس اللحظة، وصلت رسالة جديدة: "لو عايزين حسن عبدالسلام يفضل عايش... تعالوا كلكم على البيت." ثم ظهرت جملة أخيرة: "وسلمى تيجي لوحدها."