الراجل اللي ربّى 3. حكايات ميراا
دخلوا البيت.
التراب كان مغطي كل حاجة.
سلمى مشت لحد الحائط، وفضلت تضرب بإيدها على الخشب القديم.
تك.
تك.
تك.
وفجأة طلع صوت أجوف.
خالد قرب.
—في تجويف ورا الحيطة.
كسروا جزء صغير من الخشب.
وظهر صندوق معدني.
عماد فتحه.
جواه كانت صور.
وشهادات ميلاد.
وجوازات سفر.
وفوقهم ظرف أبيض مكتوب عليه:
“إلى البنات الثلاث… لما يكبروا.”
نور مسكت الظرف.
إيدها كانت بتترعش.
فتحته.
وكان جواه خطاب واحد.
قرأت أول سطر:
“لو أنتوا بتقرأوا الرسالة دي، يبقى عماد نجح.”
نور وقفت.
وبصت لعماد.
وبعدين كملت:
“نجح في إنه يربيكم من غير ما يعرف إنكم بناته.
ونجح في إنه يحبكم من غير ما يكون مستني منكم أي مقابل.”
دموع عماد نزلت.
لكن آخر سطر في الرسالة كان أخطر من كل اللي قبله:
“أنا منى… ولسه عايشة. ولو عايزين تعرفوا مين حاول يق*تل أمكم، تعالوا لوحدكم على الكنيسة القديمة الساعة 11 بالليل.”
نور بصت للساعة.
كانت 10:37.
سلمى قالت:
—هنروح؟
عماد أخد نفس طويل.
وبص للبنات.
—مش لوحدكم.
وفجأة…
جاء صوت من خلفهم.
صوت ست يعرفه عماد أكثر من أي صوت في الدنيا:
—عماد؟
اتجمد.
لف ببطء.
كانت واقفة عند باب البيت.
وشها أنحف.
شعرها أبيض عند الأطراف.
وعينيها مليانة دموع.
منى.
مراته التي دفنها قبل ست سنين.
قالت:
—وحشتني أوي يا عماد.
لكن عماد ما اتحركش.
سألها بصوت مكسور:
—إنتِ ليه خلّتيني أصدق إنك متي؟
منى بصت للبنات.
وبعدين قالت:
—لأن لو كنت عرفت إني عايشة…
كنت هتكون أول واحد يق*تلوك.عماد ماعرفش يتحرك.
فضل باصص لمنى كأنه خايف لو رمش تختفي تاني.
—إنتِ… إزاي؟
منى قربت خطوة.
—مش هنا. لازم نمشي.
عماد رفع إيده.
—استني.
صوته كان هادي، لكنه مليان وجع.
—ست سنين يا منى.
منى نزلت عينيها.
—عارفة.
—ست سنين وأنا واقف قدام قبرك.
—عارفة.
—كل سنة في عيد جوازنا كنت بروح هناك.
دموع منى نزلت.
—عارفة يا عماد.
صرخ لأول مرة:
—أمال كنتِ فين؟!
البنات اتخضوا.
منى بصت له.
—بحميكم.
نور تدخلت:
—من مين؟
منى قربت منها.
—من نفس الناس اللي فصلوكم عن بعض.
—ومن الشخص اللي كان مستعد يدفع ملايين عشان واحدة منكم تختفي للأبد.
ريم قالت:
—بس إحنا كنا أطفال!
منى هزت راسها.
—وعشان كده كانوا فاكرين إنكم أضعف.
سلمى بصت لها.
—إنتِ ماما؟
منى سكتت.