بعد ما دفعت 34 ألف.

بعد ما دفعت 34 ألف جنيه عشان عيد ميلاد حماتي، اكتشفت إنها شطبت اسمي واسم أهلي من القائمة عشان “ضيوفها المهمين ماينفعش يختلطوا بفلحين زينا”. لا بكيت ولا اتخانقت؛ أنا بس غيرت بند واحد في العقد. وبعدها بساعات، وقدام 30 واحد، صرخت بعلو صوتها: “الكافيار ده مضروب!”. وطبعًا ده كان مجرد البداية، لأنهم لسه ماعرفوش مين اللي كان دافع ثمن العزومة الفخمة دي في الأصل.
​الجزء الأول
​— باباك ومامتك مش هيجوا عيد ميلادي. مع قرايبي اللي جايين من ألمانيا ماينفعش أقعد في نفس الترابيزة ناس من الأرياف.
​حماتي، “سهير”، قالت الجملة دي بكل برود وهدوء سابني متسمرة في مكاني.
​حتى ماستنتش أرد عليها.
​قفلت السكة في وشي.
​فضلت بصة لشاشة الموبايل، وفي الوقت ده جوزي، “أحمد”، كان عامل نفسه مركز جدًا في ماتش شغال من غير صوت على التلفزيون.
​— أنت سمعت أمك قالت إيه؟
​أحمد طلع تنهيدة طويلة.
​— يا مريم، أنتِ عارفة طبعها. تميت ستين سنة وتعبانة ومتوترة. وبعدين خالتك إلهام وجوزها وابنها جايين من ميونخ، وأمي عايزة ترفع رأسها قدامهم.
​— وعشان ترفع رأسها لازم تكسر بأهلي وتقل منهم؟
​تهرب بعينيه وماقدرش يبصلي.
​أهلي عايشين في قرية صغيرة في الفيوّم. بابا، “عم صلاح”، بيزرع مانجو وجوافة وشوية خضار. وماما، “الحاجة فاطمة”، كانت مدرّسة ابتدائي لمدة ثلاثين سنة.
​ماكانوش أغنية.
​بس عمرهم ما كانوا جهلة ولا قليلين.
​والغريب بقى، إن سهير عمرها ما شافت أهلي “أرياف” لما كانت الأقفاص والكراتين بتجيلها لحد باب البيت؛ المانجو، والجبنة القريش، والسمنة البلدي، والطيور اللي ماما كانت بتبعتها كل ما حماتي تشتكي إن الأسعار نار وكل حاجة غالية.
​قبل العزومة بأسبوعين، حماتي جتلنا الشقة كاتبـة أوهامها واشتراطاتها في كشكول.
​كانت عايزة تعمل عيد ميلادها الـ60 في قاعة فخمة في المقطم، وتستقبل 30 فرد، مع بوفيه مفتوح، ومشروبات، ومقبلات عالية، وسمك وسالمون، ولحوم، وتورتة 3 أدوار، ومائدة تقلب الدنيا وتخلي الكل يتكلم عنها شهور.
​أنا شغالة أخصائية تنظيم حفلات ومناسبات في شركة مطاعم كبيرة.
​حسبتها بالورقة والقلم.
​— بالحسبات دي كلها، التكلفة هتعدي الـ52 ألف جنيه.
​سهير اتخضت وكانت هتشدق.
​— أنتِ اتجننتِ؟ أنا كل اللي حايلايا 18 ألف جنيه!
​أحمد بدأ يضغط عليا من نفس الليلة.
​— ساعديها يا مريم، دي مناسبة مش هتتكرر.
​— وأجيب منين 34 ألف جنيه؟
​— أنتِ معاكِ تحويشة شايلاها على جنب.
​دي الجملة اللي أقنعتني، وللأسف بتكسف من نفسي دلوقتي لما بفتكرها.
​كنت بقالي شهور بشيل قرش على قرش عشان أغير عربيتي المستعملة.
​سحبت 34 ألف جنيه من حسابي، وحطيتهم عشان أكمل ثمن الحفلة.
​ما اتفشخرتش قدام حد.
​ولا استنيت كلمة شكراً.
​كل اللي كنت عايزاه هو الهدوء واشتراء دماغي.
​وقبل الحفلة بيومين بس، الست اللي أنا دافعة ثمن فرحتها وفشخرتها، قررت إن أهلي مش من مقامها وماينفعش يقعدوا مع ضيوفها المهمين.
​— مريم — أحمد قرب مني بصوت واطي — نبقى نطلع لأهلك الفيوّم بعدين ونخدلم تورتاية.
​بصلته في عينيه بجمود.
​— مالوش لزمة.
​قمت، أخدت شنطتي وخرجت.
​طلعت على القاعة على طول.
​لقيت “مدحت”، مدير القاعة، واقف بيراجع الترتيبات مع الموردين.
​— مدحت، محتاجة أعدل عقد الحفلة بتاعة يوم السبت.
​— تعدلي إيه يا مريم؟
​طلعت العقد.
​— اسحب الـ34 ألف جنيه بتوعي.
​مدحت بصلّي وبحلق كأنه مش فاهم.
​— والحفلة؟
​— هتتعمل عادي.
​— يا مريم، بـ18 ألف جنيه لـ30 فرد مش هعرف أقدم المنيو الفاخر ده خالص!
​ابتسمت.
​— خلاص، قدم بالظبط على قد الـ18 ألف جنيه.
​ولا مليم زيادة من جيبي.
​مدحت سكت شوية، وبعدها فتح اللاب توب.
​— تمام… كده هنغير المنيو وكل حاجة تقريبًا.
​— غير كل حاجة.
​في نفس اليوم بعد الظهر، الـ34 ألف جنيه رجعوا حسابي تاني.
​وسهير كانت لسه فاكرة إنها يوم السبت هتقعد على بوفيه الملوك اللي مدفعتش فيه مليم.
​اللي حصل بعد كده، أنا نفسي ماكنتش أتوقع إنه يحصل بالشكل ده.وصلت البيت وأنا حاسة إني أخيرًا أخدت أول نفس براحتي من شهور.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *