تم رفضها للمرة العشرين. حكايات ميراا

—مش موجود في حياتنا.

—فهمت.

فجأة، بدا وكأن درجة حرارة الغرفة انخفضت خمس درجات.

وبعد دقيقتين، انتهت المقابلة.

—إحنا بنتكلم مع كذا مرشح.

طبعًا.

—هنكلمك.

طبعًا.

—السيرة الذاتية بتاعتك ممتازة.

الجملة دي تقريبًا خلت مريم تضحك.

شكرت مسؤولة التوظيف، صافحتها، وخرجت من المبنى وكتافها مرفوعة.

حافظت على وقفتها أثناء ركوب المصعد.

وحافظت عليها وهي بتعدي من الردهة الرخامية.

وحافظت عليها لحد ما خرجت من الباب الدوار.

ظلت متماسكة حتى وصلت إلى موقف الأتوبيس في أحد شوارع وسط المدينة.

ثم جلست على المقعد المعدني البارد، وحطت حقيبتها السوداء المهترئة على رجليها، وبصت إلى الحذاء ذي الكعب الذي اشترته مخصوص لمقابلات العمل…

وانهارت.

نزلت أول دمعة من غير إذن.

ثم نزلت الثانية.

وفي خلال ثوانٍ، كانت مريم بتعيط بشدة لدرجة إنها اضطرت تحط إيدها على بوقها.

كانت بتكره إنها تعيط قدام الناس.

بتكره الناس اللي بيعدوا جنبها بأكواب القهوة وشنط الشغل.

بتكره صوت الأتوبيسات وهي بتعدي جنبها.

وبتكره نفسها لأنها كانت غاضبة من أشخاص غرباء ماعملوش لها أي حاجة.

لكن أكتر حاجة كانت بتكرهها…

إن بعد خمسة وأربعين دقيقة، لازم تروح تجيب بنتها وتبتسم.

لأن ليان هتجري عليها بشعرها البني الكيرلي، وتصرخ:

—مامي!

ومريم هتنزل على ركبها.

هتحضنها.

وهتسألها عن الرسم، وعن وقت السناك في الحضانة، وعن إذا كان آدم سرق منها القلم البنفسجي تاني ولا لأ.

وهتتصرف كأن كل حاجة تمام.

لأن الأطفال اللي عندهم أربع سنين ماينفعش يشيلوا هموم وخوف أمهاتهم.

مسحت مريم دموعها بعنف.

—عشرين.

الكلمة خرجت من بين شفايفها.

عشرين مقابلة.

عشرين بلوزة مكوية بعناية.

عشرين رحلة بالأتوبيس.

وعشرين محادثة كانت ماشية كويس…

لحد ما حد يعرف إنها بتربي بنتها لوحدها.

كانت مريم عندها سبعة وعشرين سنة.

وعندها ثلاث سنين خبرة في إدارة العمليات والأعمال الإدارية.

وتخرجت من برنامجها في الكلية بدرجات مرتفعة جدًا.

عندها ناس ممكن يشهدوا بكفاءتها.

عمرها ما اترفدت من شغل.

وعمرها ما سلمت مهمة متأخرة.

بل إنها كانت هي اللي دربت الرجل الذي أصبح مديرها في شركتها السابقة.

لكن كل ده ماكانش له قيمة بمجرد ما تظهر حقيقة إنها أم عزباء.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *