الساعة كانت 11:47 ليلة التلات، والجو متلج، وأنا راكعة على ركبتي جوه أسانسير في الدور الـ45 فوق وسط شيكاغو، وبترجّى راجل غريب مايموتش تحت إيديا. ومع أول ضوء للصبح، عرفت إن الراجل اللي غالبًا كسرت له ضلوع وأنا بعمل له إنعاش قلبي رئوي، ماكانش مجرد مدير كبير... ده كان صاحب الشركة كلها. — حضرتك سامعني؟ — سألت وأنا بلمس كتفه. عينيه ما اتحركتش. — أرجوك... — همست. — أرجوك ماتموتش. كان ممدد تحت الدرابزين النحاسي اللامع، وإيده لسه مقبوضة جنب صدره. بدلته الرصاصي كان غالبًا تمنه أكتر من مرتبي في 3 شهور، لكن في اللحظة دي مافيش حاجة من دي كانت مهمة. حطيت صباعين على رقبته... ولا حسيت بحاجة. مفيش نبض. لثانية مرعبة، اتجمدت مكاني. قبل 3 سنين، كنت طالبة في سنة تانية تمريض، وكنت بقدر أتعامل مع تدريبات الطوارئ من غير حتى ما أرمش. لكن أمي اتشخصت بسرطان البنكرياس، واضطريت أسيب كلية التمريض، بينما مصاريف المستشفى، والحزن، وإنذارات الطرد من البيت، كانوا بياخدوا مني كل حاجة. بعد ما أمي ماتت، قبلت بأي شغلانة لقيتها. عاملة نظافة بالليل في برج ميريديان. لمدة 3 سنين، كنت بفضّي زبالة المديرين، وبلمّع الحيطان الإزاز، وبنضف بقع القهوة من على ترابيزات الاجتماعات، والناس كانت بتعدي من جنبي كأني جزء من الأثاث. اتعودت أبقى مش شايفة. لكن الراجل الغريب ده ماكانش محتاج "بيلي" اللي محدش بياخد باله منها. كان محتاج البنت اللي كانت جوايا زمان. رجعت راسه لورا، واتأكدت إن مجرى نفسه مفتوح، وحطيت إيديا الاتنين في نص صدره. — يلا... — همست، وبدأت أعمل ضغطات على صدره. واحد... اتنين... تلاتة... أربعة... صوتي كان بيرتعش، لكن إيديا كانت فاكرة. أبواب الأسانسير بدأت تقفل، فرميت عربية التنظيف في فتحة الباب، فوقعت إزازة منظف الإزاز وراحت بتتزحلق في الطرقة. بعد 30 ضغطة، اديته نفسين، واستنيت وأنا بدعي... ولا حاجة. فبدأت من جديد. الإنعاش الحقيقي ماكانش زي التدريب على الدمية خالص. في ثواني، كتافي بدأوا يحرقوني من الوجع، وبعدين سمعت صوت حاجة بتتكسر تحت كف إيدي. ضلعة. اترددت لحظة، لكن صوت مدرّبي القديم رجع في دماغي: "الضلوع بتخف... القلب اللي مات مش بيرجع." — ساعدوني! — صرخت في الطابق التنفيذي الفاضي. — حد يتصل بالإسعاف! بسرعة! باب اتفتح في آخر الطرقة، وظهر منه "عم حسن"، حارس الأمن الليلي عنده 62 سنة، وبيمشي بعرج. — يا ساتر يا رب! حصل إيه؟ — مفيش نبض! — قلت وأنا بنهج. — اتصل بـ911 وهات جهاز الصدمات بسرعة! — عرفتي منين إن... — دلوقتي يا عم حسن! حتى أنا اتفاجئت من قوة صوتي. جري. فضلت أعمل ضغطات على صدر الراجل لحد ما شعري ابتل من العرق، وإيديا وِرمت ووجعتني كأنها هتتفك من مكانها. — خليك معايا... — ترجّيته. — في حد مستنيك ترجع له البيت. وفجأة، آخر كلمات أمي رجعت في دماغي. "إيديك فيها شفا يا بنتي." وقتها كنت قلت لها إني مش ممرضة خلاص. ضغطت على صوابعي وهمست: "إنتِ كده... دي طبيعتك. مش مجرد شغلانة." رجع عم حسن وهو شايل جهاز الصدمات، ورمى نفسه جنبي وهو بيلهث. قطعنا قميص الراجل بسرعة، والأزرار الغالية اتناثرت على أرضية الأسانسير. وفجأة، عم حسن بص في وش الراجل وشحب. — بيلي... — حط اللاصقة هنا. — إنتِ عارفة مين ده؟ — لأ. — ده كريم الشاذلي. الاسم ماقالش لي حاجة، لحد ما كمل: — ده صاحب برج ميريديان... وصاحب الشركة كلها. إيديا وقفت لنص ثانية. كريم الشاذلي... المؤسس والرئيس التنفيذي اللي صورته كانت معلقة فوق مكتب الاستقبال في اللوبي... كان بيموت قدامي. جهاز الصدمات أعلن: "يوصى بإعطاء صدمة." — ابعد! جسمه انتفض بعنف. لسه مفيش نبض. رجعت أعمل ضغطات على صدره، والدموع نزلت من عيني غصب عني. — إنت مش من حقك تموت... — همست بعناد. — مش وأنا موجودة هنا. صفارات الإسعاف كانت بتتعالى من بعيد، من تحت البرج. وفي الآخر، عم حسن استلم مني الضغطات لما دراعاتي خلاص ماعادش فيها قوة. وبعد دورة تانية، الجهاز طلب صدمة تانية. بعدنا عنه. الجهاز أصدر صوته الحاد، وجسم كريم انتفض مرة تانية. ولثانية مرعبة... ماحصلش أي حاجة. وبعدين... كريم كح. صوت مبحوح ومكسور خرج من صدره، وصدره بدأ يرتفع فجأة تحت بقايا قميصه المقطوع. عم حسن قرب منه. — كريم؟ وفي نفس اللحظة اللي صوت المسعفين بدأ يقرب، وصوت خطواتهم كان بيضرب في طرقة البرج... فتح كريم الشاذلي عينيه ببطء. وبص لي أنا مباشرة. حكايات_ميراا سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ باقي القصة هتنزل هنا 👇♥️ما إن فتح كريم الشاذلي عينيه، لقيت نظرته ثابتة عليّا بشكل غريب. كنت لسه راكعة جنبه، إيديا بتترعش، وصدري بيطلع وينزل بسرعة من كتر المجهود. دخل المسعفين الأسانسير بسرعة. — ابعدي لو سمحتي! رجعت لورا، لكن كريم مد إيده فجأة ومسك طرف كمّ بدلتي. كانت قبضته ضعيفة جدًا، لكن أصابعه كانت متشبثة بيا كأنه خايف أختفي. — هي... — صوته خرج مبحوح. — هي اللي... حاول يكمل، لكن عينيه قفلت تاني. المسعف بصلي. — إنتِ اللي عملتي له CPR؟ هزيت راسي. — أيوه. — عملتيه قد إيه؟ — مش عارفة... يمكن عشر دقايق... يمكن أكتر. المسعف بص لزميله، وبعدين رجع بصلي بنظرة مختلفة. — لو كنتِ اتأخرتي دقيقة واحدة بس، غالبًا ماكنّاش هنلحقه. الكلمة دي خبطت فيا. لأول مرة من سنين، حسيت إن الحاجة اللي خسرتها من حياتي... لسه موجودة جوايا. لكن قبل ما المسعفين يرفعوا كريم على النقالة، سمعت صوت عم حسن: — بيلي... استني. بصيت له. كان واقف بعيد، ووشه مش مطمّن. — في إيه؟ قرب مني وقال بصوت واطي: — الأسانسير ده كان المفروض مايفتحش أصلًا الليلة دي. اتجمدت. — يعني إيه؟ بص حوالينا، وبعدها بص للكاميرا الصغيرة اللي فوق باب الأسانسير. — نظام الأمان في الدور التنفيذي كان مقفول من الساعة عشرة ونص. حاجبي اتقطبوا. — طب كريم كان هنا إزاي؟ عم حسن بلع ريقه. — دي المشكلة. قبل ما أقدر أسأله، ظهر واحد من رجال الأمن ببدلة سودا. — كل الموظفين يرجعوا لشغلهم. مفيش حد يتكلم مع الصحافة، وممنوع أي تصوير. وبعدين بصلي مباشرة. — وإنتِ... اسمك إيه؟ — بيلي. — بيلي إيه؟ سكت لحظة. — بيلي مراد. كتب اسمي في تليفونه، وبعدها قال: — الإدارة هتتواصل معاكي. ضحكت بسخرية من غير ما أقصد. — الإدارة؟ أنا عاملة نظافة. لكن الراجل ماابتسمش. — مش بعد اللي حصل النهارده. --- بعد حوالي ساعة، كنت قاعدة في غرفة صغيرة جنب الاستقبال، وإيديا لسه بتوجعني. كنت مستعدة أمشي. كنت عايزة أرجع شقتي الصغيرة، أقفل الباب، وأنام كأني ماشفـتش أي حاجة. لكن باب الغرفة اتفتح. دخل راجل طويل لابس بدلة سوداء. — مدام بيلي مراد؟ — أيوه. — أنا سامح الديب، المستشار القانوني لكريم الشاذلي. اتوترت. — هو كويس؟ — حالته مستقرة. تنفست براحة. — الحمد لله. حط ملف أسود على الترابيزة قدامي. — كريم طلب أشوفك. بصيت له باستغراب. — دلوقتي؟ — أول ما فاق. — وقال إيه؟ سامح سكت ثواني، وكأنه بيختار كلامه بعناية. — قال إنك أنقذتي حياته. ابتسمت ابتسامة صغيرة. — أي حد كان هيعمل نفس اللي عملته. — لأ. صوته كان حاسم. — مش أي حد. فتح الملف. — إحنا عرفنا إنك كنتِ طالبة تمريض. جسمي اتشد. — مين قالكم؟ — ملف الموارد البشرية. — أنا ماحبتش أقول لحد. — وعرفنا كمان إنك سيبتي الدراسة قبل ما تكمليها. بصيت للأرض. — دي حاجة قديمة. قفل الملف. — كريم عايز يرجعك للتمريض. رفعت عيني بسرعة. — إيه؟ — هيدفعلك مصاريف إكمال دراستك كاملة. ضحكت بتوتر. — أنا مش فاهمة. — وكمان هيديكِ مرتب شهري لحد ما تتخرجي. سكت. كان حلمي القديم واقف قدامي فجأة، بعد ما كنت دفنته بإيدي من سنين. لكن سامح ماخلصش. ميل ناحية الترابيزة وقال: — وفي حاجة تانية. — إيه؟ وشه اتغير. — كريم ماوقعش لوحده. الابتسامة اختفت من وشي. — يعني إيه؟ فتح الملف مرة تانية وطلع صورة من كاميرا المراقبة. حطها قدامي. الصورة كانت لطرقة الدور الخامس والأربعين. قبل سقوط كريم بدقائق. وفي آخر الصورة... كان فيه شخص واقف عند باب الأسانسير. لابس بدلة سودا. ووشه مش ظاهر. سامح قال بهدوء: — حد دخل الأسانسير مع كريم. بصيت للصورة. — وبعدين؟ — خرج قبله. — يعني إيه؟ قلب الصورة للجهة التانية. كان مكتوب عليها وقت التسجيل. 11:31 مساءً. وبعدين بص في عيني وقال: — الشخص ده هو آخر إنسان شاف كريم قبل ما قلبه يقف. سكت. — وإحنا مش عارفين هو مين. وفجأة، تليفون سامح رن. رد. — أيوه؟ سمع كام كلمة، ووشه اتغير تمامًا. قفل المكالمة وبصلي. — كريم فاق تاني. — الحمد لله. — وقال اسم الشخص اللي كان معاه في الأسانسير. اتجمدت مكاني. — مين؟ سامح قرب مني وهمس: — قال اسمك إنتِ. نزل الصمت على الغرفة كأنه خنقها. — مستحيل. — وأنا عارف. — كريم ماكانش يعرفني أصلًا! — بالضبط. وقف، وحط الصورة في الملف. — وعلشان كده... لازم نعرف الحقيقة. وقبل ما يخرج، قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي: — لأن لو كريم كان بيقول الحقيقة، يبقى إنتِ ماكنتيش أول مرة تقابليه الليلة دي. فتحت بوقي عشان أرد. لكن فجأة... باب الغرفة اتفتح. وكان كريم الشاذلي واقف على الباب، لسه على وشه آثار التعب، وذراعه متعلقة بالمحلول. بصلي مباشرة. وقال: — أنا أعرفها. اتسعت عيني. — حضرتك تعرفني؟ هز راسه ببطء. — أيوه يا بيلي. وبص لسامح. — لأنها كانت موجودة قبل 3 سنين. قلبي وقف للحظة. — قبل 3 سنين؟! كريم ثبت عينيه عليّا وقال: — يوم وفاة والدتك.وقفت قدامه مش قادرة أتكلم. اسم أمي... كان آخر اسم توقعت أسمعه من راجل ماعرفتوش غير من ساعة. — إنت... تعرف أمي؟ كريم ماجاوبش فورًا. بص لسامح، وبعدين قال: — سيبنا لوحدنا. سامح اتردد. — كريم، حالتك— — قلت سيبنا. خرج سامح وقفل الباب. فضلت واقفة مكاني، مش عارفة أصدق اللي بسمعه. — أمي ماتت من 3 سنين. — عارف. — وإنت كنت تعرفها منين؟ كريم سند نفسه على الكرسي، ووشه كان شاحب. — أمك كانت بتشتغل في شركة المقاولات اللي كانت بتنفذ أول مشروع ليا. — أمي كانت عاملة نظافة في مستشفى. — قبل المستشفى. سكت. بدأت أفتكر. أمي كانت دايمًا بتقول إن عندها شغل قديم مش بتحب تتكلم عنه. وإنها كانت "سكرتيرة" لفترة قصيرة. لكنها عمرها ماقالت اسم الشركة. — إيه اللي حصل يوم وفاتها؟ كريم بص للأرض. — اليوم ده... أمك كانت جاية تقابلني. قلبي دق بعنف. — ليه؟ — كانت معاها حاجة مهمة. — إيه؟ رفع عينيه ليّا. — ملف. — ملف إيه؟ — ملف فيه أسماء ناس كانوا بيسرقوا من الشركة. ضحكت من التوتر. — وده حصل من 3 سنين، وبعدين؟ كريم سكت لحظة. — أمك ماوصلتش لمقابلتي. جسمي اتجمد. — يعني إيه؟ — عربيتها اتعطلت قبل ما توصل. — أمي ماكانش معاها عربية. أول ما قلت الجملة، كريم بصلي بنظرة غريبة. — كانت راكبة تاكسي. سكت. أنا كنت أعرف كل تفاصيل اليوم ده. أمي خرجت من المستشفى الساعة سبعة. ركبت تاكسي. وبعد أقل من ساعة، المستشفى اتصلت وقالت إنها دخلت في غيبوبة مفاجئة. وبعد يومين... ماتت. الدكاترة قالوا إن السرطان انتشر. لكن كريم قال: — التقرير الطبي اللي عندي بيقول إن نسبة مادة معينة كانت موجودة في دمها قبل الوفاة. حسيت الدنيا بتلف بيا. — مادة؟ هز راسه. — سم. رجعت خطوة لورا. — لأ... — أنا ماكنتش متأكد وقتها. — أمي ماتت بالسرطان! — السرطان كان موجود فعلًا. سكت. — لكن حد ساعده يق*تلها أسرع. دموعي نزلت. — إنت بتقول إيه؟ قرب خطوة. — بقول إن أمك ماكانتش مجرد ضحية للمرض. ضغطت إيدي على صدري. كل الذكريات بدأت تضرب في دماغي. آخر مرة شفت أمي فيها. إيدها الباردة. صوتها الضعيف. وجملتها الغريبة: "إيديك فيها شفا يا بنتي." وقتها افتكرت إنها كانت بتبصلي كأنها عايزة تقول حاجة. بس ماقدرتش. — ليه ماقلتليش الكلام ده من 3 سنين؟ كريم نزل عينيه. — لأني كنت جبان. رفعت صوتي: — جبان؟! — كنت فاكر إن لو فتحت الموضوع، ناس أكتر هتموت. — وفضلت ساكت؟ — أيوه. دموعي نزلت أكتر. — وأنا عشت 3 سنين فاكرة إن أمي ماتت بسبب المرض! — أنا آسف. ضحكت وسط دموعي. — آسف؟ قربت منه. — أمي ماتت، وأنا سبت كلية التمريض، واشتغلت في تنظيف مكاتب ناس مش عارفة حتى اسمي... وإنت كنت عارف إن موتها ممكن يكون ج/ريمة؟ كريم ماحاولش يدافع عن نفسه. فضل ساكت. وفجأة... سمعنا صوت خبط خفيف على الباب. كريم اتغير وشه. — ماحدش يدخل. الخبط اتكرر. مرة. مرتين. وبعدين سكت. قرب كريم من الباب، لكني مسكته من دراعه. — استنى. بصلي. حطيت صباعي على بوقي. سمعنا خطوات بتبعد في الطرقة. كريم بص من فتحة الباب. الطرقة كانت فاضية. فتح الباب بسرعة. ماكانش فيه حد. لكن على الأرض... كان فيه ظرف أبيض. كريم انحنى والتقطه. فتح الظرف. طلع منه ورقة واحدة. قرأها. وفجأة وشه فقد لونه. — إيه؟ ناولني الورقة. كان مكتوب عليها بخط واضح: "كان المفروض تموت الليلة... إنت أنقذته. المرة الجاية، مش هتلحقي." بصيت له. — دي تهديد؟ هز راسه. — لأ. — أمال إيه؟ قفل إيده على الورقة. — دي رسالة من الشخص اللي حاول يق*تلني. سكت لحظة. وبعدين بصلي وقال: — واللي مخوفني أكتر... — إيه؟ — إنه عرف إنك أنقذتيني قبل ما حد يعرف أصلًا إني عايش. وفجأة... سمعنا صوت جهاز إنذار الحريق في البرج. وبعده مباشرة... صوت صراخ من آخر الطرقة. كريم مسك إيدي بقوة. — بيلي، ماتتحركيش من جنبي. — ليه؟ بص ناحية الباب. — لأن اللي حاول يق*تلني... صوته انخفض. — لسه جوه البرج.صوت إنذار الحريق كان بيصرخ في كل أنحاء البرج، واللمبات بدأت تومض. مسكت دراع كريم. — لازم ننزل! هز راسه. — لأ. — إنت مجنون؟! — الإنذار ده مش طبيعي. قبل ما أفهم قصده، سمعنا صوت خطوات سريعة في آخر الطرقة. كريم شدني ورا الحيطة. ثواني... ظهر رجل لابس بدلة سودا، ماشي بسرعة ناحية غرفة كريم. وقف قدام الباب. بص يمين وشمال. وبعدين طلع من جيبه حاجة صغيرة. كريم همس: — ده هو. قلبي اتقبض. الرجل دخل الغرفة. وبعد ثواني خرج. لكن أول ما لف، لمحنا. عينه ثبتت عليّا. وبدأ يجري. — اجري! — كريم صرخ. جريت بأقصى سرعة أقدر عليها. سمعت كريم ورايا بيحاول يلحقنا رغم حالته. دخلنا طرقة جانبية، ونزلنا سلم الطوارئ. الرجل كان ورانا. — بيلي! ماتنزليش للدور الأرضي! — ليه؟ — هو عايزنا نطلع! بصيت له باستغراب. — نطلع فين؟ — السطح. — إنت بتقول إيه؟! — لأنه لو كان عايز يق*تلنا جوه البرج، كان قفل علينا الأسانسير. صوت خطوات الرجل كان بيقرب. وصلنا لباب معدني. كريم فتحه. دخلنا. الباب اتقفل ورانا. وقفنا ننهج. — هو فين؟ كريم حط ودنه على الباب. — مستني. سكتنا. ثواني. دقيقة. مفيش صوت. فجأة تليفون كريم رن. رقم مجهول. بص للشاشة. — ماتردش. لكن المكالمة انتهت. وبعد ثانيتين وصلت رسالة. كريم فتحها. وقرأها. وشه اتغير. — إيه؟ ناولني الموبايل. الرسالة كانت قصيرة: "لو عايز تعرف مين ق*تل أم بيلي، بص تحت السجادة اللي جنب المصعد القديم." رفعت عيني. — هو عارف اسم أمي. — أيوه. — وعارف إني معاكي. كريم هز راسه. — وعارف إننا هنقرأ الرسالة دي. بصيت له. — يبقى عايزنا نروح هناك. — بالضبط. — فخ. — أكيد. سكتنا لحظة. ثم قلت: — ومع ذلك لازم نروح. كريم بصلي باستغراب. — ليه؟ — عشان أمي. كان صوتي بيرتعش. — استنيت 3 سنين أعرف الحقيقة. كريم حاول يمنعني. — بيلي، ده ممكن يكون أخطر قرار في حياتك. بصيت في عينيه. — أمي ماتت وهي لوحدها. — ... — أنا مش هسيب حد يق*تل الحقيقة معاها. كريم سكت. وبعدين قال: — طيب. فتح الباب بحذر. الطرقة كانت فاضية. مشينا ناحية الأسانسير القديم. كل خطوة كانت بتقربني من إجابة يمكن تغيّر حياتي كلها. وصلنا. السجادة كانت في مكانها. كريم انحنى ورفع طرفها. كان فيه فتحة صغيرة في الأرض. جواها صندوق معدني. طلعناه. كريم فتحه. وكان جواه... صورة قديمة. أمي. وأنا طفلة. وكريم الشاذلي واقف جنبنا. اتجمدت. — دي إمتى؟ كريم أخذ الصورة من إيدي. قلبها. كان مكتوب وراها: "لو حصل لي حاجة، كريم هو الشخص الوحيد اللي ما تثقيش فيه." بصيت لكريم بصدمة. — أمي كتبت الكلام ده؟ كريم ماجاوبش. رفع عينيه للصورة. وبعدين قال بصوت مكسور: — لأ. — أمال مين كتبها؟ قبل ما يرد... سمعنا صوت باب الأسانسير بيتفتح خلفنا. التفتنا. والرجل صاحب البدلة السوداء كان واقف على بعد خطوات. لكن المرة دي... كان ماسك مس/دس. وجهه ناحية كريم. وبعدين قال: — أخيرًا... وصلتوا للصندوق. رفع الس/لاح. لكن قبل ما يضغط الزناد... سمعت صوت عم حسن من آخر الطرقة: — سيب الس/لاح يا ابن الكلب! الرجل التفت. وفي اللحظة دي... كريم دفعني على الأرض. وانطلقت الرصاصة. لكنها ما أصابتش كريم. أصابت الصندوق المعدني. وانفتح الغطاء. وتناثرت الأوراق في كل مكان. ومن بينها... سقط ظرف صغير قديم. عليه اسم أمي. لكن المدهش... إن تاريخ الظرف كان بعد وفاتها بيومين. رفعت الظرف وأنا بترعش. وفي اللحظة نفسها... الرجل المسلح هرب. كريم صرخ: — بيلي! ماتفتحيش الظرف! لكن كان فات الأوان. فتحت الظرف. وطلعت منه ورقة واحدة. وأول سطر فيها كان: "بنتي بيلي... لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى كريم كذب عليكي."اتجمدت وأنا ماسكة الورقة. حروف أمي كانت قدامي. نفس الخط اللي كنت بشوفه على ورق مصاريف البيت، وعلى الورق الصغير اللي كانت بتسيبهولي جنب السرير. لكن الجملة دي كانت كفيلة تهد كل حاجة: "كريم كذب عليكي." رفعت عيني له. — إنت كذبت عليا؟ كريم مااتكلمش. — رد! صوته خرج واطي: — أيوه. قلبي اتقبض. — في إيه؟ — في حاجات كتير. عم حسن قرب مننا. — لازم نخرج من هنا. لكن أنا ماكنتش سامعة غير صوت دقات قلبي. — أمي كانت تعرف إنك هتكدب عليا؟ كريم هز راسه. — كانت عارفة إن ممكن أضطر. — تضطر؟! صرخت فيه. — أمي ماتت! إيه اللي يخليك تضطر تخبي الحقيقة عن بنتها؟ كريم بص حوالينا، وبعدين قال: — لأن أمك ماكانتـش ضحية. سكت. — كانت شاهدة. قرب خطوة. — وكانت بتحاول تفضح ناس أخطر مني. فتحت الرسالة بسرعة. كان أول جزء منها مكتوب: "بيلي، لو وصلتك الرسالة دي، ماتصدقيش أي حد يقولك إن موتي كان طبيعي." نفسي اتقطع. كملت القراءة. "أنا اكتشفت إن الشركة اللي كريم أسسها اتسرق منها ملايين، لكن المشكلة مش في الفلوس. المشكلة إن الناس اللي ورا السرقة عندهم نفوذ، وواحد منهم قريب جدًا من كريم." بصيت لكريم. — مين؟ قال: — أخويا. اتسعت عيني. — عندك أخ؟ — أيوه. — عمره ماظهر في الأخبار. — لأنه مات من عشر سنين. سكت. رجعت للرسالة. "كريم مش هو اللي ق*تلني. لكن هو يعرف مين عملها." نزلت الورقة من إيدي. بصيت له. — يعني إنت بريء؟ هز راسه. — مش بالكامل. — ليه؟ — لأني كنت أعرف إن أمك في خطر... وماحميتهاش. دموعي نزلت. لكن قبل ما أقدر أرد، سمعنا صوت خطوات جاية من ناحية السلم. عم حسن بص للباب. — حد جاي. كريم أخذ الرسالة مني. — لازم نمشي فورًا. — لأ. — بيلي— — عايزة أعرف باقي الرسالة. كريم بصلي ثواني، وبعدين رجع الورقة. قرأنا آخر سطر. "وأهم حاجة يا بنتي... لو حاول كريم يقنعك إنه أنقذك الليلة، ماتصدقيهوش." رفعت عيني ببطء. — يعني إيه؟ كريم سكت. عم حسن قال: — بيلي، إحنا لازم نمشي. لكن كريم فجأة مسك كتفي. — اسمعيني كويس. بصيت له. — أنا ماوقعتش في الأسانسير بالصدفة. — إيه؟ — أنا كنت داخل البرج مخصوص عشان أقابلك. — تقابلني أنا؟ — أيوه. — ليه؟ سكت طويلًا. ثم قال: — لأن قبل ما قلبي يقف بدقايق، حد بعتلي صورة ليكي. مد إيده لجيبه وطلع موبايله. فتح صورة. كانت صورتي. أنا واقفة في ممر البرج، وأنا بدفع عربية التنظيف. والصورة متاخدة من كاميرا مراقبة. لكن التاريخ كان قبل 3 أيام. بصيت للصورة وأنا مش قادرة أصدق. — مين صورني؟ — مش عارف. قلب الصورة. كان مكتوب تحتها: "دي بنتها." حسيت ببرودة في جسمي. — بنت مين؟ كريم بص في عيني. — بنت المرأة اللي ق*تلتها. اتراجعت خطوة. — أمي؟ — لأ. سكت لحظة. — المرأة اللي كانت السبب في موت أمك. وفجأة، تليفون عم حسن رن. رد بسرعة. — أيوه؟ ثواني... وبعدين وشه شحب. — إيه؟ قفل المكالمة. بص لنا. — الشرطة وصلت. تنفست براحة. لكن عم حسن هز راسه. — مش شرطة. — أمال مين؟ قال بصوت منخفض: — الحراسة الخاصة. كريم بص للباب. — متأكد؟ — أيوه. وفجأة... اتسمعت أصوات خطوات كتير في السلم. كريم أخذ الرسالة من إيدي. — بيلي، اسمعيني. — إيه؟ — لو دخلوا، ماتقولي لهمش إنك معايا. — ليه؟ قرب مني وقال: — لأن الشخص اللي دفعهم ييجوا هنا... سكت. — هو نفس الشخص اللي ق*تل أمك. وفي اللحظة دي... مقبض الباب بدأ يتحرك ببطء. مرة. مرتين. ثم جاء صوت رجل من الخارج: — افتحوا الباب يا كريم. كريم بصلي. وهمس: — عرفونا.مقبض الباب اتحرك بعنف، والمرة دي الباب كله اهتز. عم حسن بصلي وقال: — ادخلي ورايا. لكن كريم وقف قدام الباب. — لأ. — إنت لسه خارج من الإنعاش! — وأنا الوحيد اللي يعرف هما عايزين إيه. صوت الرجل من بره ارتفع: — افتح يا كريم. إحنا عارفين إنك جوه. كريم بصلي بسرعة. — أول ما الباب يتفتح، ماتتحركيش. — ليه؟ — عشان لو شافوكي، كل اللي عرفناه هيتغير. اتسمعت ضربة قوية. وبعدين الباب اتفتح. دخل 3 رجال ببدل سوداء. لكن أول ما شفت الرجل اللي في النص... عرفته. كان مدير الأمن في البرج. نفس الشخص اللي قابلني بعد ما أنقذت كريم. وقف قدامي وبصلي. وبعدين ابتسم. — بيلي مراد. اتجمدت. كريم وقف بيني وبينه. — إنت مين؟ الرجل ضحك. — أنا اللي كنت بحاول أحميك طول السنين دي. كريم رد بحدة: — كداب. الرجل بص له. — للأسف، إنت لسه فاكر إنك عرفت كل حاجة. طلع ملف من تحت دراعه ورماه على الأرض. الأوراق اتناثرت. وفي وسطها... كانت شهادة وفاة أمي. لكن في خانة سبب الوفاة، كان مكتوب: "تسمم متعمد." شهقت. — إنت كنت عارف؟ الرجل ماجاوبش. بص لكريم. — هي تستحق تعرف الحقيقة. كريم قال: — متقربش منها. الرجل تجاهله. — أمك ما ماتتش بسبب السرطان وحده. قرب مني. — كانت هتفضح شبكة كاملة. — مين؟ — ناس من جوه الشركة... وناس براها. بصيت لكريم. — وإنت؟ سكت. — إنت واحد منهم؟ كريم هز راسه. — لأ. مدير الأمن قال: — كريم كان جزء من الموضوع. — إيه الموضوع؟ — غسيل أموال. صمت. — الشركة كانت بتستخدم حسابات وهمية لتحويل مبالغ ضخمة. أمك اكتشفت الموضوع بالصدفة. قلبي كان بيدق بعنف. — وبعدين؟ — حاولت تبلغ كريم. كريم قاطعه: — وأنا حاولت أحميها. — لكنك فشلت. الجملة نزلت كأنها صفعة. كريم سكت. مدير الأمن بصلي. — قبل ما تموت، أمك سابت نسخة من كل المستندات لشخص واحد. — مين؟ ابتسم. — ليكي. أنا؟ — مستحيل. — أمك كانت عارفة إنهم هيق*تلوا أي حد يحاول يفتح الملف. بصيت للرسالة. — طب فين المستندات؟ الرجل أشار للظرف اللي في إيدي. — اللي معاكي مجرد البداية. كريم فجأة شد الظرف مني. — بيلي، ماتديهوش حاجة. مدير الأمن ابتسم. — هو خايف. — من إيه؟ — من اللي هتلاقيه لو كملتي. كريم بصلي. وفي عينيه كان فيه خوف حقيقي لأول مرة. — بيلي... — قول. — أمك ماكانتـش بتشتغل في الشركة صدفة. — يعني إيه؟ — كانت بتحقق في حاجة تخصني أنا. سكت. — تخصك إنت؟ هز راسه. — قبل ما أبقى صاحب الشركة، كنت مجرد مهندس صغير. — وبعدين؟ — حصل حادث في أحد مصانع الشركة. — ومات فيه ناس. كريم بلع ريقه. — أيوه. مدير الأمن قال: — وأمك كانت أول واحدة اكتشفت إن الحادث ماكانش حادث. سكت المكان كله. ثم فجأة... انطفأت الأنوار. صرخت. سمعت صوت خبط. وبعده صوت طلقة واحدة. ولما النور رجع... مدير الأمن كان واقع على الأرض. والباب مفتوح. والرجال اللي كانوا معاه اختفوا. لكن كريم كان واقف قدامي. وإيده فيها مس/دس. بصيت له بخوف. — إنت ق*تلته؟ رمى الس/لاح على الأرض فورًا. — لأ. — مين ضربه؟ ماجاوبش. نزلت عيني للأرض. كانت فيه ورقة صغيرة جنب رجل مدير الأمن. التقطتها. كان مكتوب عليها: "بيلي... لو عايزة تعرفي مين ق*تل أمك، روحي للمستشفى اللي ماتت فيها أمك. أوضة 217." رفعت عيني. كريم كان بيبص للورقة. — أوضة 217... — إنت تعرفها؟ وشه اتغير. — أيوه. — إيه اللي حصل في الأوضة دي؟ كريم قرب مني، وصوته خرج مبحوح: — دي كانت أوضة أمك. سكت لحظة. — لكن أمك ما ماتتش فيها. — أمال؟ بصلي في عيني. — اتولدت فيها. اتجمدت. — اتولدت؟ هز راسه. — أيوه. — أنا مش فاهمة. كريم قال: — لأن أكبر سر أمك كانت مخبياه عنك... سكت. — إنك مش بنتها البيولوجية.حسيت إن الأرض اختفت من تحت رجلي. — إيه اللي إنت قلته؟ كريم قرب خطوة. — بيلي، لازم تسمعيني للآخر. — أنا مش بنت أمي؟ صوتي خرج مكسور. — يعني إيه؟! هز راسه. — أمك ربتك، وحبتك أكتر من أي حد. لكن الحقيقة إنك اتولدتي في المستشفى دي، وأمك كانت موجودة وقتها. ضحكت بعصبية. — وإنت عرفت الكلام ده إزاي؟ — لأن اسمك كان موجود في ملف قديم جدًا. — ملف إيه؟ قبل ما يرد، عم حسن قال: — استنوا... إحنا لسه واقفين في مكان خطر. بصيت لكريم. — أنا عايزة أعرف. تنهد. — في سنة ميلادك، حصلت واقعة اختفاء لطفلة من المستشفى. قلبي دق بسرعة. — طفلة؟ — بنت حديثة الولادة. — وبعدين؟ — الملف اتقفل. — وإيه علاقة ده بيا؟ كريم سكت. ثم قال: — الطفلة دي اختفت من نفس المستشفى، في نفس الليلة اللي إنتِ اتولدتي فيها. اتراجعت خطوة. — لأ. — بيلي... — لأ! أمي عمرها ماقالتلي حاجة زي دي. — لأنها كانت خايفة. — من مين؟ كريم بص للرسالة. — من نفس الناس اللي بنجري منهم دلوقتي. مد إيده. — لازم نروح أوضة 217. --- بعد أقل من نصف ساعة، كنا قدام المستشفى القديم. المكان كان مهجور تقريبًا، والممرات مضلمة إلا من لمبات قليلة بتومض فوقنا. وقفت قدام الباب. رقم 217 كان لسه موجود. إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الباب. الأوضة كانت فاضية. سرير قديم. دولاب صغير. وشباك عليه تراب. لكن على الحيطة... كانت فيه علامة بالقلم. حرف واحد: B قربت منها. — بيلي؟ بصيت لكريم. — دي أول حرف من اسمي. هز راسه. — عارف. عم حسن بدأ يدور في الأوضة. فتح الدولاب. مفيش حاجة. رفع المرتبة. مفيش حاجة. وأنا كنت واقفة قدام الحيطة. حطيت إيدي على حرف الـB. وفجأة سمعت صوت طقطقة. جزء صغير من الحيطة اتحرك. رجعت لورا. كريم قرب. ضغط على المكان. واتفتح تجويف صغير. جواه صندوق خشب. طلعناه. كان عليه اسم أمي. "إلى بيلي... لما تبقى كبيرة." نفسي انقطع. فتحت الصندوق. جواه صورة. وصورة تانية. وشريط كاسيت قديم. وكمان ورقة مطوية. فتحت الورقة. وكان مكتوب: "بنتي، لو وصلتي للصندوق ده، يبقى أنا ماقدرتش أقولك الحقيقة بنفسي." دموعي بدأت تنزل. "أنا اخترتك بإرادتي. ماخدتكش من حد، وماسرقتكيش. لكن اللي حصل ليلة ولادتك كان أكبر مني." بصيت لكريم. كملت القراءة. "أبوكي الحقيقي لسه عايش." شهقت. وقعت الورقة من إيدي. — أبويا... عايش؟ كريم مااتكلمش. رفعت عيني له. — إنت كنت عارف؟ سكت. — كريم! قال بصوت منخفض: — أيوه. — مين هو؟ — ماعرفش. — كداب! صرخت فيه. — إنت عارف كل حاجة! — مش كل حاجة. — أمال ليه أمي كتبت إن أبويا عايش؟ كريم أشار للشريط. — يمكن الإجابة فيه. عم حسن كان لسه ماسك الصندوق. فجأة قال: — فيه جهاز تسجيل في المكتب القديم تحت. نزلنا. بعد دقائق، قدرنا نشغل الشريط. طلع صوت أمي. صوتها كان ضعيف، لكن واضح. — بيلي... لو بتسمعيني، يبقى أنا مت. انفجرت في العياط. صوتها كمل: — سامحيني إني خبيت عنك الحقيقة. شهقت. — أبوكي اسمه... وفجأة الشريط اتقطع. بصيت للجهاز. — لأ! ضربت عليه بإيدي. — كملي! عم حسن حاول يصلحه. لكن مفيش فايدة. كريم بص للشريط. — التسجيل اتقطع عمدًا. — يعني حد مسحه؟ — أيوه. وفجأة... وصلت رسالة على موبايل كريم. فتحها. وكان فيها صورة لراجل واقف قدام المستشفى. وتحت الصورة جملة: "أبوك مش عايزك تعرفيه... لأنه لو عرف إنك لسه عايشة، هيق*تلك." رفعت عيني لكريم. — مين الراجل ده؟ كريم فضل ساكت. ثم قال: — أنا أعرفه. — مين؟ بص للصورة مرة تانية. — ده شريكي القديم. — واسمه إيه؟ كريم رفع عيني ليّا. — الدكتور يوسف مراد. اتجمدت. لأن اسم مراد... كان نفس اسم عيلتي. وقبل ما أقدر أتكلم، سمعت صوت خطوات عند باب المكتب. خطوة... خطوة... وبعدين صوت راجل من بره: — بيلي؟ صوت غريب. لكن في نفس اللحظة، كريم اتجمد. بصلي وقال: — ماترديش. — ليه؟ وشه كان شاحب. — لأن ده صوت أبوكي.فضلت باصة للباب وأنا مش قادرة آخد نفسي. الصوت جه تاني: — بيلي... أنا عارف إنك جوه. قربت من كريم وهمست: — ده صوت أبويا فعلًا؟ كريم ماجاوبش. حط صباعه على بوقه، وأشار لعم حسن إنه يطفي النور. بقينا واقفين في الضلمة. ثواني مرت. وبعدين المقبض اتحرك. مرة... مرتين... الباب اتفتح ببطء. دخل راجل في أواخر الخمسينات، لابس معطف أسود، ووشه عليه علامات تعب سنين طويلة. أول ما شافني... وقف. عينه لمعت بالدموع. — مريم... اسمي خرج من بوقه كأنه كان حافظه طول عمره. اتجمدت. — إنت مين؟ بصلي طويلًا. — أنا أبوكي. قلبي اتقبض. — اسمك يوسف مراد؟ هز راسه. — أيوه. ضحكت بمرارة. — بعد 26 سنة تيجي تقوللي أنا أبوكي؟ قرب خطوة. — كنت فاكر إنك ماتّي. — مين قالك إني مت؟ سكت. — أمك. الجملة وقعت عليا كالصاعقة. — أمي؟ — كانت عايزة تحميكي. صرخت: — تحميني من إيه؟ منك؟ يوسف نزل عينه. — مني... ومن ناس أسوأ مني. كريم تدخل: — يوسف، إنت عارف إنهم لسه بيدوروا عليها. يوسف بص له بحدة. — وأنا عارف إنك السبب في إنها لسه عايشة. — أنا أنقذتها الليلة. يوسف بصلي. — هو أنقذك من الموت، لكن ماقالكيش ليه كانوا عايزين يق*تلوه. سألته: — ليه؟ سكت. ثم قال: — لأن كريم اكتشف الحقيقة. كريم رد: — وأنا عايز أصلح اللي حصل. يوسف ضحك بسخرية. — بعد فوات الأوان. قرب مني. — أمك ماكانتـش مجرد موظفة. — عارفة. — لأ، إنتِ لسه ماتعرفيش. طلع من جيبه صورة قديمة. ناولني إياها. كانت أمي شابة. واقفة جنب رجل ماعرفتوش. وفي حضنها طفلة رضيعة. أنا. لكن الرجل اللي جنبها... كان يوسف. وفي الخلفية كان فيه شعار شركة كريم. بصيت للصورة. — إيه ده؟ قال: — الليلة اللي اتولدتي فيها، أمك اكتشفت إن الشركة كانت بتستخدم مستشفى معين لتزوير ملفات المرضى ونقل أموال من خلال تبرعات وهمية. — وإيه علاقتي؟ — كنتِ شاهدة على كل ده من غير ما تعرفي. ضحكت. — أنا كنت طفلة! — بالضبط. سكت لحظة. — لكن أمك كانت معاها دليل. كريم قال: — الدليل اللي لسه موجود. بصيت له. — فين؟ يوسف رد: — معاكي. اتجمدت. — معايا أنا؟ — أيوه. — فين؟ بص لرقبتي. — السلسلة اللي أمك عمرها ماخلتك تخلعيها. إيدي راحت فورًا للسلسلة القديمة اللي كنت لابساها من وأنا طفلة. — دي؟ هز راسه. — افتحيها. حاولت ألف الجزء الصغير الموجود في القلادة. مافتحش. كريم أخدها مني. وبدأ يفحصها. ضغط على طرف صغير. تك. القلادة اتفتحت. جواها كانت فيه شريحة ذاكرة صغيرة جدًا. بصيت لها وأنا مصدومة. يوسف قال: — أمك كانت مخبية الحقيقة كلها جواها. كريم مد إيده. — لازم نشوف اللي عليها. لكن فجأة... صوت إنذار حاد طلع من تليفون يوسف. بص للشاشة. وشه اتغير. — لقونا. — مين؟ — الشرطة. كريم قال: — دي مش شرطة. يوسف هز راسه. — عارف. بصلي بسرعة. — بيلي، اسمعيني. لو حصل لي حاجة... قاطعته: — مش هيحصل لك حاجة. ابتسم بحزن. — أمك قالت نفس الجملة. وبعدين مد إيده ليّا. — بس المرة دي، لازم أقولك الحقيقة قبل ما أموت. سكت. — أنا ماكنتش بعيد عنك طول السنين دي. — يعني إيه؟ — كنت براقبك. — إزاي؟ — من بعيد. دموعي نزلت. — كنت بتشوفني وأنا بشتغل؟ هز راسه. — أيوه. — كنت بتشوفني وأنا بدفن أمي؟ عينه دمعت. — أيوه. — وكنت سايبني لوحدي؟ ماقدرش يرد. وفي اللحظة دي... انفجر زجاج الشباك. صرخت. كريم شدني للأرض. يوسف وقف قدامنا. وطلقة اخترقت الحيطة. عم حسن صرخ: — انزلوا! كريم مسك الشريحة. — لازم نخرج من هنا! لكن يوسف مسك إيده. — لأ. — إيه؟ يوسف بصلي. — لو خرجنا كلنا، هيق*تلونا. وبعدين قال جملة خلت كريم نفسه يتجمد: — لازم واحد فينا يضحي. وفي نفس اللحظة... وصلت رسالة على موبايل بيلي. رقم مجهول. فتحتها. وكان مكتوب: "اختاري: أبوكي... ولا كريم." "واحد منهم مش هيخرج من المستشفى حي."بصيت للرسالة وأنا حاسة إن إيديا اتجمدت. — مين بعتلك؟ كريم مد إيده للموبايل. — وريني. ناولتهوله. قرأ الرسالة، ووشه اتشد. يوسف قال: — كانوا مستنيين اللحظة دي. بصيت له. — إنت تعرف مين هما؟ — أيوه. — مين؟ يوسف سكت. ثم قال: — الناس اللي أمك كانت بتحاول تفضحهم. وفجأة سمعنا صوت عربيات كتير تحت المستشفى. عم حسن بص من الشباك المكسور. — فيه عربيات داخلة. كريم قال: — كام؟ — كتير. يوسف بص لي. — لازم تختاري طريق الخروج. — مش هختار بينكم. — بيلي، اسمعيني— — لأ! صرخت. — أنا خسرت أمي مرة. مش هخسر حد تاني بسبب ناس مجرمين. كريم بصلي للحظات. وبعدين ابتسم ابتسامة صغيرة. — دي بالضبط كانت أمك. — يعني إيه؟ — كانت بتقول نفس الكلام. قبل ما أكمل، انفتح باب المستشفى بقوة. صوت خطوات بدأ يقرب. كريم مسك إيدي. — ورايا. جرينا في ممر جانبي. يوسف كان ورانا، وعم حسن بيقفل الأبواب. وصلنا لسلم ضيق. — الدور السفلي! — قال يوسف. نزلنا بسرعة. لكن فجأة ظهر رجل قدامنا. كان لابس زي حارس. رفع س/لاحه. يوسف وقف. — استنى. الرجل بص له. — الدكتور يوسف مراد. يوسف ابتسم بمرارة. — أخيرًا. الرجل وجه س/لاحه ناحيته. وفي اللحظة دي... كريم اندفع عليه. وقعوا الاتنين على الأرض. الس/لاح اتزحلق. أنا جريت ومسكت الس/لاح ورميته بعيد. الرجل حاول يقوم. لكن عم حسن ضربه بعصاه على إيده. — اجري يا بنتي! جرينا. وصلنا لباب حديد. يوسف فتحه. ورا الباب كان فيه ممر طويل مظلم. — ده يخرجنا من المستشفى؟ — لأ. بصلي. — ده يودينا للمكان اللي بدأت منه كل الحكاية. — فين؟ — مصنع الشاذلي القديم. كريم وقف فجأة. — مستحيل. يوسف بص له. — ليه؟ — المصنع اتحرق من 20 سنة. — أيوه. — ومفيش حاجة فاضلة منه. يوسف ابتسم. — إلا القبو. كريم سكت. واضح إنه فهم. --- بعد حوالي ساعة، وصلنا للمصنع القديم. المكان كان مهجور. الجدران سوداء من الحريق. والهواء مليان ريحة تراب ودخان قديم. دخلنا من باب خلفي. يوسف مشي بثبات، كأنه حافظ المكان. وصلنا لجزء من الأرض. ركع. شال قطعة حديد. ظهر تحتها باب معدني. فتحناه. نزلنا السلم. تحت الأرض كان فيه قبو كامل. غرف. خزائن. أجهزة قديمة. وأرفف مليانة ملفات. بصيت حواليا. — إيه المكان ده؟ يوسف قال: — هنا كانوا بيخبوا كل حاجة. كريم فتح أول خزانة. كانت مليانة ملفات مالية. فتح واحدة. وبعدين واحدة تانية. وشه اتغير. — دي حسابات الشركة. يوسف قال: — مش بس الشركة. أشار لرف تاني. — المستشفى. قربت. كل ملف كان عليه اسم مريض. وفجأة شفت اسم أمي. مديت إيدي. فتحت الملف. أول ورقة كانت تقرير طبي. لكن التاريخ... كان قبل وفاتها بأسبوع. وفي آخر الصفحة توقيع طبيب. رفعت عيني. — الدكتور اللي وقع التقرير ده... يوسف قال: — مات من 3 سنين. — إزاي يوقع تقرير بعد موته؟ كريم بص للورقة. — لأن التقرير مزور. قلبت الصفحة. وكان فيه مستند تاني. اسم أمي. وتحته: "الحالة تعرف الحقيقة. يجب إسكاتها." نفسي انقطع. وفي نفس اللحظة... سمعنا صوت باب القبو بيتقفل فوقنا. طَخ! عم حسن جرى للسلم. — الباب اتقفل! كريم بص للسقف. — حد كان مستنينا. يوسف قال: — لأ. سكت. — هو كان عايزنا نوصل هنا. — ليه؟ يوسف بصلي. — عشان تعرفي الحقيقة كاملة. وفجأة اشتغل جهاز تسجيل قديم في آخر القبو. خرج صوت رجل من السماعة. صوت هادي جدًا. — أهلًا يا بيلي. اتجمدت. — مين ده؟ الصوت ضحك. — أخيرًا بقيتي كبيرة كفاية تعرفي أنا مين. كريم بص ليوسف. يوسف كان شاحب. — إنت تعرف الصوت ده؟ يوسف هز راسه. — أيوه. — مين؟ رفع عينه لي. — جدك. اتسعت عيني. — جدي مات من زمان. الصوت ضحك تاني. — لا يا بيلي... وسكت لحظة. — جدك لسه عايش. وبعدين انفتح باب صغير في آخر القبو. وظهر منه رجل عجوز. أنا بصيت له. هو ابتسم. وبصوت هادي قال: — وحشتيني يا بنتي. كريم شدني وراه. لكن الرجل قال: — ما تخافيش. ثم أضاف: — أنا الوحيد اللي يقدر يقولك مين ق*تل أمك... وليه. وسكت لحظة. — وليه أبوكي كان لازم يختفي 26 سنة. ثم نظر إلى كريم. — وكمان... ليه أنا اللي أمرت بق*تل كريم الليلة دي.فضلت باصة للراجل العجوز، مش قادرة أستوعب كلمة واحدة. — إنت... جدي؟ ابتسم. — أيوه يا بيلي. يوسف اندفع خطوة ناحيته. — ما تقربش منها! العجوز ضحك. — لسه زي ما إنت يا يوسف... بتفتكر إنك تقدر تحميها. يوسف وقف قدامه. — إنت ق*تلت أمها. — أمها ماتت لأنها اختارت الطريق الغلط. شهقت. — إنت بتقول إيه؟! بصلي. — أمك كانت ذكية. أذكى مما تتخيلي. لكنها ماعرفتش إمتى تسكت. كريم قال بغضب: — إنت اللي حركت كل الناس دي؟ العجوز بص له. — وأنت كنت المفروض تموت من زمان. — ليه؟ — لأنك فتحت ملفات كان لازم تفضل مقفولة. كريم ضحك بسخرية. — وأنا كنت فاكر إنك اختفيت. العجوز رد: — اختفيت عن الناس، مش عن الشركة. بصيت لكريم. — إنت تعرفه من زمان؟ — للأسف. العجوز قال: — أبوكي كان شريكي. يوسف صرخ: — شريكك؟! — أيوه. — إنت دمرت حياتنا! — أنا بنيت إمبراطورية. بصيت حواليّا. الملفات. الأجهزة. أسماء الناس. صور أمي. كل حاجة بدأت تتجمع في دماغي. — ليه ق*تلت أمي؟ لأول مرة، ابتسامته اختفت. — لأنها سرقت منك الحقيقة. — الحقيقة إيه؟ — إنك مش بنت يوسف. اتجمد يوسف. كريم رفع عينه بسرعة. أما أنا... حسيت إني فقدت القدرة على التنفس. — إيه؟ العجوز قرب خطوة. — يوسف هو أبوكي... لكن أمك مش المرأة اللي ربتك. — أمي هي أمي! — لا. صوته كان هادي. — المرأة اللي ربتك كانت أخت أمك الحقيقية. بصيت ليوسف. وشه كان مليان دموع. — قول إنه كداب. يوسف ماقدرش يتكلم. — قول! هز راسه ببطء. — بيلي... صرخت: — قول إنه كداب! يوسف غمض عينيه. — مش كداب. انهرت. قعدت على الأرض. كل حياتي... كل ذكرياتي... كل مرة ناديت فيها أمي "ماما"... كانت فجأة مليانة أسئلة. العجوز قال: — أمك الحقيقية ماتت بعد ولادتك. — مين ق*تلها؟ — أنا. يوسف اندفع عليه. — يا ابن الكلب! كريم مسكه. العجوز كمل: — لكن أمك اللي ربتك أخذتك وهربت بيكي. — ليه؟ — لأنها كانت عارفة إني هستخدمك ضد يوسف. بصيت ليوسف. — يعني إنت كنت عارف؟ — عرفت بعد سنين. — وسكت؟ — كنت بحاول أحميكي. ضحكت وسط دموعي. — كلكم بتحموني! بصيت للعجوز. — وإنت؟ — أنا كنت عايزك. — ليه؟ ابتسم. — لأنك الوريثة الوحيدة. — وريثة إيه؟ أشار للملفات. — كل اللي هنا. سكت. — الشركة، الحسابات، العقود... كل الإمبراطورية دي في النهاية هتبقى بتاعتك. هزيت راسي. — أنا مش عايزة حاجة منك. — هتضطري. — لأ. ابتسم. — لأن الحقيقة موجودة هنا. أشار إلى جهاز صغير. — وكلها مسجلة. ضغط زر. ظهر تسجيل على الشاشة. وكانت أمي. لكنها كانت أصغر سنًا. قاعدة قدام الكاميرا. وشكلها مرعوب. قالت: — بيلي، لو شوفتي التسجيل ده، يبقى أبوكي والراجل اللي ق*تلني فشلوا في الوصول ليكي. دموعي نزلت. ثم قالت: — الحقيقة الأخيرة لازم تعرفيها. سكتت لحظة. وبعدين قالت: — كريم الشاذلي مش عدوك. بصيت لكريم. أمي كملت: — هو أخوكي. اتجمدت. كريم نفسه مااتحركش. يوسف بص للأرض. أما العجوز... فابتسم. — دلوقتي بقى تقدري تفهمي ليه كان لازم كريم يموت. رفعت عيني لكريم. — إنت... أخويا؟ هو ماقدرش يرد. وفي اللحظة دي، سمعنا صوت سيارات الشرطة فوقنا. لكن العجوز ابتسم وقال: — متقلقيش. ثم نظر إلى الباب. — الشرطة مش جاية تنقذكم. — أمال جاية تعمل إيه؟ رد بهدوء: — جاية تقبض على بيلي مراد... وأشار إليّ. — بتهمة ق*تل كريم الشاذلي.