كان هناك راكب دراجة نارية. حكايات حماده هيكل

 

شعرت بقشعريرة.

 

تلك الجملة…

 

سمعتها من إيميلي عشرات المرات.

 

كانت تؤمن دائمًا أن الخير موجود داخل الجميع.

 

قال الرجل:

 

“بعد ما خرجت من المستشفى، كنت ناوي أرجع للعصابة. لكنها قبل ما أمشي، ادتني ظرف.”

 

أخرج من جيبه ظرفًا قديمًا مهترئًا.

 

كان واضحًا أنه احتفظ به سنوات.

 

فتح الظرف بحذر، وأخرج رسالة مطوية.

 

“قالت لي: ما تفتحهاش غير لو حسيت إنك هتستسلم.”

 

ابتلع ريقه.

 

“بعد أسبوعين… كنت على وشك الانتحار.”

 

نظر إلى السماء.

 

“وقتها فتحت الرسالة.”

 

سألته بصوت خافت:

 

“وكان مكتوب فيها إيه؟”

 

ناولني الورقة.

 

تعرفت فورًا على خط يد إيميلي.

 

كانت قد كتبت:

 

“لو بتقرأ الرسالة دي… يبقى لسه عندك فرصة تبدأ من جديد. ماضيك مش حكم نهائي عليك. لو العالم كله فقد الأمل فيك… أنا لأ.”

 

لم أشعر بدموعي وهي تنزل.

 

قال الرجل:

 

“الرسالة دي غيرت حياتي.”

 

ثم أضاف:

 

“دخلت مركز علاج، بطلت الإدمان، اشتغلت ميكانيكي، وبعدها فتحت ورشة خاصة بيا.”

 

توقف قليلًا.

 

“واتجوزت… وبقى عندي بنت.”

 

ابتسم لأول مرة.

 

“سميتها إيميلي.”

 

شعرت أن الغضب الذي حملته طوال الشهور الماضية تبخر تمامًا.

 

سألته:

 

“ليه ما جيتش وقت جنازتها؟”

 

انخفضت ابتسامته.

 

“كنت في ولاية تانية وقتها. ولما عرفت، كان فات الأوان.”

 

نظر إلى شاهد القبر مرة أخرى.

 

“ومن يومها… وعدتها إني أزورها كل يوم سبت.”

 

جلسنا معًا بجوار القبر.

 

لأول مرة منذ وفاة زوجتي…

 

لم أشعر أنني وحدي في حزني.

 

بدأ يحكي لي عن أشخاص آخرين ساعدتهم إيميلي بصمت، دون أن تخبر أحدًا، وعن أطفال جمعت لهم تبرعات، وأمهات دفعت من مالها ثمن أدويتهن، وشباب كتبت لهم رسائل تشبه تلك التي أنقذته.

 

في تلك اللحظة أدركت أنني، رغم عشرين سنة من الزواج، لم أعرف كل الخير الذي كانت تزرعه في حياة الناس.

 

وعندما همّ بالمغادرة، وضع على القبر شيئًا صغيرًا.

 

لم تكن زهرة.

 

كانت شارة معدنية قديمة تحمل شعار نادي الدراجات الذي تركه منذ سنوات.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *