كان هناك راكب دراجة نارية. حكايات حماده هيكل

لم أشعر بدموعي وهي تنزل.

قال الرجل:

“الرسالة دي غيرت حياتي.”

ثم أضاف:

“دخلت مركز علاج، بطلت الإدمان، اشتغلت ميكانيكي، وبعدها فتحت ورشة خاصة بيا.”

توقف قليلًا.

“واتجوزت… وبقى عندي بنت.”

ابتسم لأول مرة.

“سميتها إيميلي.”

شعرت أن الغضب الذي حملته طوال الشهور الماضية تبخر تمامًا.

سألته:

“ليه ما جيتش وقت جنازتها؟”

انخفضت ابتسامته.

“كنت في ولاية تانية وقتها. ولما عرفت، كان فات الأوان.”

نظر إلى شاهد القبر مرة أخرى.

“ومن يومها… وعدتها إني أزورها كل يوم سبت.”

جلسنا معًا بجوار القبر.

لأول مرة منذ وفاة زوجتي…

لم أشعر أنني وحدي في حزني.

بدأ يحكي لي عن أشخاص آخرين ساعدتهم إيميلي بصمت، دون أن تخبر أحدًا، وعن أطفال جمعت لهم تبرعات، وأمهات دفعت من مالها ثمن أدويتهن، وشباب كتبت لهم رسائل تشبه تلك التي أنقذته.

في تلك اللحظة أدركت أنني، رغم عشرين سنة من الزواج، لم أعرف كل الخير الذي كانت تزرعه في حياة الناس.

وعندما همّ بالمغادرة، وضع على القبر شيئًا صغيرًا.

لم تكن زهرة.

كانت شارة معدنية قديمة تحمل شعار نادي الدراجات الذي تركه منذ سنوات.

قال وهو يبتسم:

“دي آخر حاجة كانت بتربطني بالماضي… وإيميلي كانت السبب إني أسيبه. مكانها هنا.”

ثم ركب دراجته، ولوّح لي، وانطلق.

ومنذ ذلك اليوم…

صرت أذهب إلى المقبرة كل يوم سبت في الثانية ظهرًا.

ولم يعد الرجل الغريب يزور قبر زوجتي وحده أبدًا.”…أنقذت حياتي.”

 

تجمدت في مكاني.

 

حدقت إليه غير مصدق.

 

قلت بحدة: “إيميلي كانت ممرضة، نعم… لكن ده ما يفسرش ليه بتيجي هنا كل أسبوع.”

 

خفض الرجل عينيه، ثم قال بصوت مبحوح:

 

“قبل سبع سنين… كنت مدمن مخدرات، وعصابة الدراجات اللي كنت معاها كانت دمرت حياتي. في ليلة، عملت حادثة بدراجتي، واتنقلت للمستشفى اللي كانت إيميلي شغالة فيه.”

 

تنهد طويلًا.

 

“الأطباء أنقذوا جسمي… لكن إيميلي هي اللي أنقذت روحي.”

 

لم أفهم.

 

فأكمل:

 

“كنت شخصًا عنيفًا. كل الممرضين كانوا بيخافوا يدخلوا أوضتي. كنت بشتمهم، وأكسر الأجهزة، وأرفض العلاج.”

 

ابتسم ابتسامة حزينة.

 

“إلا هي.”

 

“كانت تدخل كل يوم، وتقولي: (أنا شايفة إن جواك إنسان كويس، حتى لو إنت مش شايفه).”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *