كان هناك راكب دراجة نارية. حكايات حماده هيكل
قال وهو يبتسم:
“دي آخر حاجة كانت بتربطني بالماضي… وإيميلي كانت السبب إني أسيبه. مكانها هنا.”
ثم ركب دراجته، ولوّح لي، وانطلق.
ومنذ ذلك اليوم…
صرت أذهب إلى المقبرة كل يوم سبت في الثانية ظهرًا.
ولم يعد الرجل الغريب يزور قبر زوجتي وحده أبدًا.بعد عدة أسابيع، أصبحت لقاءات السبت عادة لا نتخلف عنها.
كنت أحضر القهوة.
وهو يحضر الصمت.
نجلس بجوار قبر إيميلي ساعة كاملة، نتحدث أحيانًا، ونصمت كثيرًا.
وفي أحد الأيام قال لي:
“في حاجة لازم تشوفها.”
فتح حقيبة جلدية صغيرة كانت معلقة على دراجته.
وأخرج صندوقًا خشبيًا قديمًا.
قال:
“إيميلي طلبت مني أسلمهولك… لكن بعد ما أحس إنك بقيت مستعد.”
اتسعت عيناي.
“إيميلي؟”
هز رأسه.
“قبل وفاتها بشهرين، اتصلت بيا لأول مرة من سبع سنين.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
“إزاي؟”
قال:
“كانت عرفت إن السرطان رجع. قالت إنها مش خايفة من الموت… لكنها خايفة تسيب ناس وراها من غير ما يعرفوا الحقيقة.”
ناولني الصندوق.
كانت يداي ترتجفان وأنا أفتحه.
في الداخل وجدت عشرات الأظرف.
كل ظرف مكتوب عليه اسم.
واحد لابننا الأكبر.
واحد لابنتنا.
واحد لأختها.
وآخر لي.
لكن كان هناك أيضًا أكثر من عشرين ظرفًا بأسماء لا أعرفها.
نظر إليّ الرجل وقال:
“كل دول ناس ساعدتهم في يوم من الأيام.”
فتحت رسالتي.
كان خطها الجميل يملأ الصفحة.
> “حبيبي… لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا خلاص ارتحت. أوعى تفتكر إن حياتك انتهت مع رحيلي. الحب الحقيقي ما بيموتش… هو بس بيغير شكله. عيش. اضحك. سامح. وساعد أي حد تقدر تساعده. لأن دي الحاجة الوحيدة اللي بتفضل بعد ما نمشي.”
لم أتمالك نفسي.
بكيت كما لم أبكِ يوم دفنها.
انتظرت حتى هدأت، ثم سألت الرجل:
“ليه مأمنتك على الصندوق ده؟”
ابتسم بحزن.
“لأنها قالت إنك أول سنة بعد وفاتها هتكون غارق في وجعك… ومش هتقدر تسمع رسالتها.”