كان هناك راكب دراجة نارية. حكايات حماده هيكل
وفي صباح أحد أيام السبت، بينما كنت أسقي إحدى الأشجار في “حديقة الأمل”، اقترب مني شاب لم أره من قبل.
كان في أواخر العشرينات، يرتدي معطفًا أسود ويحمل صندوقًا صغيرًا.
قال بأدب:
“حضرتك الأستاذ دانيال؟”
أومأت برأسي.
ناولني الصندوق.
وقال:
“أمي طلبت مني أسلمهولك لو حصل لها أي حاجة.”
تجمدت.
“مين والدتك؟”
ابتسم بحزن.
“اسمها سارة.”
لم أتذكر الاسم.
لاحظ حيرتي فقال:
“يمكن ما تعرفهاش… لكنها كانت واحدة من مرضى السرطان اللي كانت إيميلي بتقعد معاهم كل أسبوع بعد شغلها.”
فتح الصندوق بنفسه.
كان بداخله ظرف قديم، وصورة لإيميلي وهي تضحك مع امرأة نحيلة على مقعد في حديقة المستشفى.
قال الشاب:
“أمي كانت عايشة لوحدها، وماكانش عندها أهل. لما عرفت إنها مريضة، الكل اختفى من حواليها.”
أشار إلى الصورة.
“إلا هي.”
تنهد، ثم أكمل:
“أمي كانت بتقول إن إيميلي ما كانتش بتعالج المرض… كانت بتعالج الوحدة.”
شعرت أن الكلمات أصابتني في أعمق مكان.
فتحنا الظرف.
كانت بداخله رسالة بخط سارة، مكتوبة قبل وفاتها بأيام:
> “إلى زوج إيميلي…
يمكن ما تعرفنيش، لكن زوجتك علمتني إن الإنسان يقدر يسيب أثر أكبر من عمره.
هي كانت تزورني كل خميس بعد شغلها، ومع إنها كانت مريضة هي كمان، ما قالتليش مرة إنها بتتألم.
كانت دايمًا تضحك، وتسألني: (إيه الحاجة الحلوة اللي حصلت لك النهارده؟)
بسبـبها، بطلت أخاف من النهاية.”
أنهيت القراءة وأنا أمسح دموعي.
نظر إليّ الشاب وقال:
“أنا دلوقتي طبيب أورام.”
ابتسم.
“دخلت الكلية علشانها… رغم إنها عمرها ما عرفت.”
في تلك اللحظة، اقترب الرجل صاحب الدراجة النارية، الذي أصبح شعره رماديًا مثل شعري.
ربت على كتف الشاب وقال:
“يبقى أنت كمان واحد من عيلة إيميلي.”
ضحك الشاب وهو يمسح عينيه.
وقال:
“واضح إن العيلة دي كبيرة.”
نظرت حولي.
إلى الأشجار.
إلى الأطفال الذين يلعبون في الحديقة.