في عيد ميلادي الـ69، ابني اداني علبة شوكولاتة معمولة في البيت. تاني يوم اتصل بيا وسألني بكل هدوء: — ها… الشوكولاتة عجبتك؟ ابتسمت وقلتله: — آه، أنا اديتها لولادك. ما إنت عارف إنهم بيحبوا الحلويات. الخط سكت تمامًا. وبعدين فجأة صرخ: — إنتِ عملتي إيه؟! صوته كان بيرتعش، ونَفَسه بقى متقطع وتقيل. اسمي نوال عبد الرحمن، وصباح عيد ميلادي الـ69 بدأ بهدوء في بيتي الموجود في إحدى مدن شمال نيويورك، البيت اللي عشت فيه سنين طويلة. من بعد وفاة جوزي حسن، البيت بقى هادي بشكل مبالغ فيه، لكن صباح اليوم ده، ضوء الخريف اللي كان داخل من بين ستاير الدانتيل، كان مدي المكان دفء غريب. معظم حياتي وأنا كبيرة كانت بتدور حوالين ابني كريم. أنا وحسن اتبنّيناه وهو عنده سنتين، بعد ما حادثة عربية مروعة أخدت أبوه وأمه الحقيقيين. ومن اللحظة دي، كرست تقريبًا كل حاجة عندي عشان أديه الطفولة المستقرة اللي اتحرم منها. ضحيت بفلوسي، وبفرص كتير، وبخطط شخصية ما تتعدش، من غير ما أحس وقتها إني بضحّي أصلًا. كريم كان ابني. وحبي ليه كان دايمًا أهم عندي من إني أحسب أنا ضحيت بإيه عشانه. وعشان كده، الهدية اللي وصلتني الصبح ده أثرت فيا جدًا. جوا الطرد كان فيه علبة مخمل أزرق غامق، شكلها فخم جدًا، ومربوطة بشريط حرير لونه كريمي. وجواها كانت فيه 12 قطعة شوكولاتة متصنعة بعناية، ومزينة بورق دهبي لامع. كان فيه كارت مكتوب بإيد كريم ومستخبي تحت الشريط. "لأحسن أم في الدنيا… بكل حبي، كريم." حسيت إن دموعي هتنزل. علاقتي بكريم كانت بدأت تبعد عن بعض بشكل واضح من بعد جوازه من داليا، والهدايا والكلام الحلو منه بقوا نادرين جدًا. عشان كده، الهدية دي صحّت جوايا أمل كبير… يمكن علاقتنا أخيرًا بدأت تتحسن. الشوكولاتة كان شكلها غالي جدًا، لكن أول ما رفعت واحدة منها ناحية بوقي، عادات الأم اللي جوايا وقفتني. فكرت فورًا في داليا وحفيديَّ، ملك ويوسف، خصوصًا يوسف، اللي كان بيعشق الحلويات. فبدل ما أحتفظ بالهدية الغالية دي لنفسي، ربطت الشريط تاني بعناية، وركبت عربيتي وروحت بيت كريم. داليا هي اللي فتحت الباب. استقبلتني بنفس الابتسامة الرسمية المتوترة اللي بقت بتعاملني بيها من شهور. واضح إنها اتفاجئت إني جيت من غير ما أبلغهم. قلت لها: — كريم جابلي الشوكولاتة دي في عيد ميلادي، بس دي غالية أوي عليا إني آكلها لوحدي. قلت يمكن إنتِ والولاد تحبوها. لثواني، ظهر على وش داليا تعبير غريب. كأن الهدية لخبطتها. لكنها أخدت العلبة وشكرتني، وبعدها كالعادة لقت حجة تمنعني من إني أدخل البيت. رجعت بيتي وأنا متضايقة شوية، لكن في نفس الوقت كنت مبسوطة إني عملت حاجة حلوة. ما كنتش أعرف إن بمجرد ما اديت الشوكولاتة دي لولاد كريم… أنا من غير ما أقصد غيّرت اللي كان المفروض يحصل بعد كده. بالظبط الساعة سبعة الصبح تاني يوم، كريم اتصل بيا. — ماما، الشوكولاتة كانت عاملة إيه؟ السؤال نفسه كان غريب. كريم نادرًا جدًا ما كان بيسألني عن هداياه بعد ما يديهالي. ومع ذلك، رديت عليه وأنا بصب قهوتي الصبح. — آه، أنا ما كلتش منها. اديتها لداليا والولاد. إنت عارف يوسف بيحب الشوكولاتة قد إيه. كريم سكت تمامًا. في البداية افتكرت إن المكالمة اتقطعت. لكن بعدها سمعت نَفَسه وهو بيزيد ويصبح أتقل. ولما اتكلم أخيرًا، صوته انفجر في رعب لدرجة إني كنت هوقع التليفون من إيدي. — إنتِ عملتي إيه؟! كررت كلامي وأنا مش فاهمة حاجة. لكن كريم بدأ يسألني بسرعة مخيفة: — إنتِ أكلتي منها؟! — لأ. — متأكدة؟! داليا أكلت منها؟! الولاد أكلوا؟! أسئلته كانت بتطلع ورا بعض لدرجة إن خوفي بدأ يزيد. قلت له: — لأ يا كريم، أنا بس وصلتهالهم. مالك؟ في إيه؟ بدل ما يشرح، بدأ يتهمني إني دايمًا لازم أدي أي حاجة لحد، وإن ليه مش بقدر أحتفظ بحاجة لنفسي. وبعدين قفل المكالمة فجأة. فضلت واقفة لوحدي في المطبخ، ماسكة سماعة التليفون وببص قدامي. والخط الفاضي بيرن في ودني. لكن فكرة واحدة بدأت تتشكل جوا دماغي… كريم ما كانش متضايق لأني اديت هدية غالية. هو كان مرعوب إن مراته وولاده يكونوا أكلوا الشوكولاتة. بعد ساعتين بالظبط، تليفوني رن. كانت داليا. أول ما رديت، صوتها كان بيرتعش. — نوال… الولاد. جسمي كله اتجمد. — مالهم يا داليا؟! سكتت ثواني، وبعدها قالت بصوت مخنوق: — الولاد في المستشفى… وفي اللحظة دي، حسيت إن قلبي وقف. ما كنتش أعرف إن اللي حصل بعد كده هيكشف سر مرعب… سر كان ابني مخبيه عني. والشوكولاتة ما كانتش مجرد هدية عيد ميلاد. اعرفي إيه اللي حصل بعد كده 👇 حكايات_ميراا سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ باقي القصة هتنزل هنا 👇♥️الفصل التالي — الولاد في المستشفى… الكلمة نزلت عليّ كأنها صدمة كهربا. اتسندت على ترابيزة المطبخ عشان رجلي ما تقعش تحتي، وقلت بصوت مرتعش: — في المستشفى ليه؟! حصل لهم إيه يا داليا؟! سمعت شهقة طويلة من الناحية التانية، وبعدها داليا قالت: — مش عارفة… من امبارح بالليل وهما تعبانين. الأول يوسف اشتكى من مغص شديد، وبعدها ملك بدأت ترجع، وبعد شوية الاتنين وقعوا من طولهم. حطيت إيدي على بوقي. — والشوكولاتة؟ سكتت داليا. السكات ده كان كفاية يخلي الدم يهرب من وشي. — داليا… ردي عليا. قالت بصوت منخفض: — الدكتور سألني كانوا أكلوا إيه قبل ما يتعبوا… ولما قلت له إنهم أكلوا شوكولاتة، طلب يشوف العلبة فورًا. قلبي بدأ يخبط بعنف. — والعلبة معاكم؟ — لأ. — إزاي لأ؟! — أنا رميتها في الزبالة أول ما الولاد تعبوا… لكن كريم خرج يجيبها. غمضت عيني. في اللحظة دي، افتكرت حاجة صغيرة جدًا. حاجة ما كنتش واخدة بالي منها وقتها. لما داليا أخدت العلبة مني، كانت بتبص عليها بطريقة غريبة. مش فرحانة. مش حتى مستغربة. كانت… خايفة. قلت لها: — داليا، كريم عارف؟ صوتها اتغير فجأة. — هو اللي طلب مني ما أقولكيش حاجة. جسمي اتجمد. — طلب منك إيه؟ — قال لي لو نوال سألت عن الشوكولاتة، قولي لها إننا أكلناها وخلاص. شهقت: — يعني إيه؟! قبل ما ترد، سمعت صوت باب بيت بيتفتح عندها، وبعده صوت كريم بعيد. — داليا! إنتِ بتكلمي مين؟! قالت بسرعة: — كريم رجع… لازم أقفل. وقبل ما الخط يتقفل، سمعتها تهمس: — نوال… متجيش المستشفى دلوقتي. وبعدين قفلت. فضلت واقفة مكانّي. ثواني. دقيقة. اتنين. وبعدين بصيت ناحية الترابيزة اللي كنت حاطة عليها علبة الشوكولاتة قبل ما أوديها لهم. بدأت أفتكر تفاصيل الهدية من أولها. العلبة كانت فخمة جدًا. لكن اللي استغربته وقتها إن كريم، اللي كان بالكاد بيزورني، بعت لي هدية غالية بالشكل ده. ليه؟ وليه سألني الصبح بدري جدًا إذا كنت أكلت منها؟ وليه أول ما عرف إني اديتها للولاد، انهار بالشكل ده؟ مديت إيدي ناحية التليفون واتصلت بكريم. مرة. مرتين. تلات مرات. ما ردش. اتصلت بداليا. مفيش رد. وقتها قررت أروح المستشفى بنفسي. لبست هدومي بسرعة، وخدت مفاتيح عربيتي، لكن قبل ما أخرج، عيني وقعت على ورقة صغيرة كانت واقعة تحت الكنبة. وقفت. انحنيت وخدتها. كانت قطعة من نفس الورق الكريمي اللي كان ملفوف حوالين علبة الشوكولاتة. وعليها، من الخلف، كان فيه رقم مكتوب بخط اليد. رقم غريب. وتحته كلمة واحدة: "الجرعة." حسيت ببرودة بتسري في جسمي. مسكت الورقة بإيدي المرتعشة، وفجأة افتكرت إن كريم كان واقف عند باب بيتي قبل يومين. كان بيقول لي: — ماما، أنا عايز أصلح كل حاجة بينا. وقتها صدقته. لكن دلوقتي، لأول مرة، بدأت أسأل نفسي: هو فعلًا كان جاي يصلح علاقتنا؟ ولا كان جاي يتأكد من حاجة أخطر؟ وصلت المستشفى بعد حوالي عشرين دقيقة. وأول ما دخلت، لقيت داليا قاعدة في طرقة الطوارئ، ووشها شاحب، ودموعها نازلة من غير صوت. أول ما شافتني قامت بسرعة. — نوال! إنتِ جيتي ليه؟! بصيت لها في عينيها وقلت: — عشان أعرف الحقيقة. قبل ما ترد، خرج دكتور من غرفة الطوارئ. كان ماسك ملف الولدين. بص لنا وقال: — مين المسؤولة عن الطفلين؟ داليا رفعت إيدها. الدكتور قال: — إحنا لحد دلوقتي مش عارفين بالضبط المادة اللي سببت التسمم… لكن التحاليل الأولية بتشير إنهم اتعرضوا لمادة سامة بكمية صغيرة. شهقت داليا. أما أنا، فحسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي. سألته: — وهل الشوكولاتة ممكن تكون السبب؟ الدكتور بص لي. — العلبة اللي جبتوها للتحليل فيها شوكولاتة ملوثة فعلًا. اتسعت عيناي. لكن الدكتور كمل: — والغريب إن الكمية الموجودة في قطعة واحدة كانت كافية إنها تسبب أعراض خطيرة جدًا للأطفال. سألته بصوت مبحوح: — يعني لو أنا كنت أكلت منها؟ سكت الدكتور لحظة. وبعدين قال: — كان ممكن تكوني دلوقتي في نفس حالة الولدين. في اللحظة دي، فهمت ليه كريم كان مرعوب. لكن سؤالًا واحدًا ظل يطاردني: مين حط المادة دي في الشوكولاتة؟ وقبل ما أستوعب، سمعت صوت كريم جاي من آخر الطرقة. — ماما… لفيت له. كان واقف بعيد، ووشه أبيض بشكل مخيف. بصيت له طويلًا. وبعدين طلعت الورقة اللي لقيتها من جيبي. وقلت: — كريم… ممكن أفهم إيه معنى كلمة "الجرعة"؟ وشه اتغير في ثانية. ولأول مرة في حياتي… شوفت ابني الحقيقي. مش الابن اللي ربيته. ولا الطفل اللي ضحيت عشانه. شوفت رجلًا خائفًا من إن سرًا دفنه سنين… بدأ يطلع للنور.الفصل التالي كريم بص للورقة اللي في إيدي، وبعدها رفع عينيه لوشي. ما ردش. بس السكوت بتاعه كان أخوف من أي إجابة. قربت منه خطوة. — أنا سألتك سؤال يا كريم. بلع ريقه وقال: — الورقة دي مش بتاعتي. ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة. — مش بتاعتك؟! الورقة كانت تحت الكنبة في بيتي، والعلبة اللي فيها السم كانت الهدية اللي إنت بعتها لي! صرخ: — ماما، وطي صوتك! بصيت حواليّ، وبعدين قلت: — ليه؟ خايف حد يسمع؟ داليا كانت واقفة جنبنا، ودموعها نازلة. فجأة قالت: — كريم… كفاية. لف لها بعصبية: — إنتِ مالك؟! قالت: — هي لازم تعرف. سكت. حسيت إن فيه حاجة كبيرة جدًا بينهم. حاجة أكبر من الشوكولاتة. بصيت لداليا: — تعرف إيه؟ قربت مني، لكن كريم مسك دراعها. — مش هنا. سحبت دراعها منه. — لأ. هنا. وفي اللحظة دي، خرجت ممرضة من غرفة الأطفال وقالت: — والد الطفل يوسف؟ كريم اتجه لها بسرعة. — أنا. قالت: — الدكتور محتاج يتكلم معاك لوحدك. دخل كريم مع الممرضة. فضلت أنا وداليا واقفين. أول ما الباب اتقفل، داليا همست: — كريم كان عايز يق*تلك. حسيت إني ما سمعتش صح. — إيه؟! دموعها زادت. — مش عشان فلوسك بس. قربت مني وقالت: — من حوالي ست شهور، كريم عرف إنك ناوية تكتبي البيت باسم حفيدك يوسف. اتسمرت مكاني. — أنا فعلًا كنت ناوية أعمل كده… — وأنا عارفة. — عرف إزاي؟ داليا بصت للأرض. — هو كان بيفتش في أوراقك. حسيت بوجع في صدري. — ابني؟ هزت رأسها. — كريم كان عليه ديون كبيرة جدًا يا نوال. ديون ما كنتيش تعرفي عنها حاجة. بدأت الصورة تتجمع قدامي. الهدايا. الزيارة المفاجئة. كلامه عن إصلاح علاقتنا. الشوكولاتة. قلت: — وليه يق*تلني؟ داليا مسحت دموعها وقالت: — لأنك رفضتي تبيعي البيت. سكت. افتكرت آخر مرة كريم طلب مني أبيع البيت. كان قال لي: — ماما، البيت كبير عليكي، بيعه وخدي مكان أصغر. وقتها رفضت. ماكنتش أعرف إن رفضي كان معناه إن ابني هيبدأ يفكر في ق*تلي. قلت: — وإنتِ؟ إنتِ كنتِ عارفة؟ هزت رأسها بسرعة. — عرفت من أسبوعين بس. — وليه ما بلغتيش الشرطة؟ انهارت في البكاء. — حاولت. رفعت عينيها لي. — ولما واجهته، هددني بأولادي. حطيت إيدي على صدري. — يا رب… فجأة الباب اتفتح. خرج كريم. كان ماسك تليفونه، وملامحه متوترة. لكن أول ما شافنا واقفين مع بعض، وقف. قال: — إنتوا كنتوا بتتكلموا في إيه؟ داليا ردت: — كل حاجة. كريم بص لها بحدة. وبعدين بص لي. — ماما، تعالي معايا. ما اتحركتش. — لأ. — ماما… — مش هروح في حتة معاك. لأول مرة، ظهر الغضب الحقيقي على وشه. لكن قبل ما يتكلم، جه صوت الدكتور من جوه الغرفة: — نوال عبد الرحمن؟ رفعت إيدي. — أيوه. قال: — محتاج أكلم حضرتك في حاجة مهمة جدًا. دخلت معاه. كان يوسف نايم على السرير، وملك جنبه، والأجهزة حوالينهم. الدكتور قفل الباب وقال: — إحنا قدرنا نحدد المادة اللي سببت التسمم. سألته: — إيه هي؟ بص لي وقال: — مادة مش موجودة في الأكل العادي، ووجودها في الشوكولاتة بالشكل ده معناه إن حد حطها عمدًا. قلت: — يعني محاولة ق*تل؟ هز رأسه ببطء. — بالضبط. وبعدين أضاف: — لكن فيه حاجة تانية أغرب. — إيه؟ طلع من الملف صورة. كانت صورة لقطعة الشوكولاتة. وقال: — المادة السامة كانت موجودة في كل القطع… ما عدا قطعة واحدة. بصيت له باستغراب. — يعني إيه؟ قال: — القطعة الوحيدة السليمة كانت القطعة اللي اتفتحت قبل ما العلبة توصل للأطفال. حسيت إن نفسي انقطع. — مين فتحها؟ الدكتور بص لي مباشرة. — حضرتك. رجعت خطوة لورا. — بس أنا ما أكلتش منها. قال: — عارفين. — إزاي؟ فتح ملفًا تاني. — لأن بصماتك موجودة على القطعة السليمة. ثم سكت لحظة وقال: — لكن فيه بصمة تانية عليها. بصيت له. — بصمة مين؟ رد بهدوء: — بصمة ابنك كريم. في اللحظة دي، فهمت إن كريم ما كانش خايف لأن أولاده أكلوا الشوكولاتة. كان خايف لأن الخطة… ما مشيتش زي ما هو مخطط لها. وإن القطعة السليمة اللي لمسها بإيده قبل ما يرسل العلبة لي… كانت ممكن تكون الدليل الوحيد اللي يوصله للج/ريمة. خرجت من غرفة الدكتور وأنا ماسكة الصورة. لكن كريم كان مستنيني برا. وأول ما شاف الصورة في إيدي، وشه اتغير. قلت له بهدوء: — عارف إيه أغرب حاجة يا كريم؟ سألني: — إيه؟ قلت: — إنك حاولت تق*تلني… لكن بدل ما تموت أمك… ولادك هم اللي كانوا هيموتوا. وبعدين رفعت الصورة قدامه. — دلوقتي بقى… قولي الحقيقة. كريم ما ردش. بس فجأة ابتسم. ابتسامة خلت الدم يتجمد في عروقي. وقال: — الحقيقة يا ماما؟ وبعدين قرب مني وهمس: — لسه بدري أوي على ما تعرفي كل حاجة.الفصل التالي اتجمدت مكاني. — يعني إيه لسه بدري؟! كريم بص لي بنظرة غريبة، وبعدين ابتسم ابتسامة باردة. — يعني اللي حصل النهارده مش هو البداية يا ماما. حسيت إن قلبي وقع في رجلي. — إنت بتتكلم عن إيه؟ بص حواليه، واتأكد إن مفيش حد قريب، وبعدين قال: — فاكرة إن أبويا مات طبيعي؟ الكلمة دي كانت كأنها صفعة. — جوزي؟ حسن؟ إنت بتتكلم عن أبوك؟ هز رأسه. — أيوه. صوتي ارتعش: — حسن مات من سنتين بأزمة قلبية. الدكتور قال إن قلبه وقف فجأة. — الدكتور قال كده فعلًا. — أمال إيه؟ سكت كريم ثواني، وبعدين قال: — لأن محدش فكر يعمل تحليل للدم بعد وفاته. رجعت خطوة لورا. — كريم… إنت عايز توصلني لإيه؟ قال: — أبويا ما ماتش لوحده. حسيت إني مش قادرة أتنفس. — إنت بتقول إن حد ق*تله؟ رد: — أيوه. — مين؟ بص لي مباشرة. — نفس الشخص اللي حاول يق*تلك النهارده. سكتنا إحنا الاتنين. وبعدين قلت: — إنت؟ كريم ما ردش. دموعي نزلت من غير ما أحس. — ابني… إنت بتقول إنك ق*تلت أبوك؟ هز رأسه ببطء. — مش أنا. لأول مرة من بداية كلامنا، شفت الخوف الحقيقي في عينيه. — ماما، أنا طول السنتين اللي فاتوا كنت بحاول أعرف مين ق*تل أبويا. صرخت: — طب والشوكولاتة؟! قال: — الشوكولاتة كانت محاولة لإسكاتك. — إسكاتي عن إيه؟ قرب مني وقال: — عن الورق اللي أبويا سابه قبل ما يموت. قلت: — أي ورق؟ أخرج من جيبه صورة مطوية. فتحها قدامي. كانت صورة لعقد ملكية بيتنا. لكن تحت العقد كان فيه توقيع حسن. وتحته جملة بخط إيده: "لو حصل لي حاجة… نوال لازم تعرف الحقيقة." حسيت إن الدنيا بتلف بيا. — فين الورقة الأصلية؟ كريم قال: — عندي. — طب هاتها. هز رأسه. — مش هنا. — فين؟ قبل ما يرد، سمعنا صوت داليا من آخر الممر: — كريم! لفينا ناحيتها. كانت واقفة وهي ماسكة موبايلها، ووشها أبيض. — في حد اتصل بيا من رقم مجهول. كريم سألها: — قال إيه؟ مدت لها الموبايل. — اسمع بنفسك. شغلنا التسجيل. صوت رجل مجهول قال بهدوء: — لو نوال عرفت اللي حسن كان مخبيه… مش هتعيش لحد عيد ميلادها السبعين. اتسمرت. عيد ميلادي السبعين. يعني قدامهم سنة كاملة؟ ولا كان المقصود إنهم هيق*تلوني قبلها؟ كريم خطف الموبايل من إيد داليا. — مين بعتلك التسجيل ده؟ قالت: — مش عارفة. بص لي كريم. — ماما، لازم نخرج من هنا حالًا. قلت: — لأ. — لأ إيه؟! — أنا مش ههرب. — ماما، إنتِ مش فاهمة! قلت له وأنا ببص في عينيه: — بالعكس. لأول مرة أنا فاهمة. قربت منه وقلت: — الشخص اللي ق*تل أبوك مش عايز يق*تلني عشان البيت. كريم سكت. — هو عايزني أموت قبل ما أعرف الحقيقة. وفجأة سمعنا صوت ارتطام قوي جاي من غرفة الأطفال. جرينا ناحية الباب. الممرضة كانت واقفة جوه وهي بتصرخ. الأجهزة بدأت تطلع أصوات إنذار متتالية. يوسف كان بيتحرك بعنف على السرير. والدكتور جري ناحيته. — ابعدوا! خرجنا بره الغرفة. داليا انهارت على الكرسي. أما أنا ففضلت واقفة عند الباب، مش قادرة أحرك عيني عن حفيدي. وبعد دقائق طويلة، خرج الدكتور. قال: — حالته مستقرة. تنفست براحة. لكن قبل ما أكلمه، قربت ممرضة مني وهمست: — مدام نوال… بصيت لها. — لقينا حاجة غريبة تحت مخدة الطفل. مدت إيدها. كان في إيدها ظرف أبيض صغير. وعليه اسمي. نوال عبد الرحمن. فتحت الظرف بإيد مرتعشة. جواه ورقة واحدة. وكان مكتوب فيها: "لو وصل الظرف ده لنوال، يبقى كريم فشل للمرة التانية." رفعت عيني ناحية كريم. كان واقف في آخر الممر. لكن المرة دي… ما كانش هو اللي خايف. كان شخصًا آخر واقف وراه مباشرة. رجل كبير في السن. أول ما شافني، ابتسم. وعلى إيده… كان لابس نفس الخاتم اللي كان جوزي حسن بيلبسه قبل ما يموت.الفصل التالي فضلت باصة للرجل اللي واقف ورا كريم، وأنا مش قادرة أستوعب اللي شايفاه. الخاتم. نفس الخاتم بالضبط. الخاتم اللي أنا بنفسي حطيته في إيد حسن يوم دفناه. اتقدمت خطوة ناحيته. — إنت مين؟ الرجل ما ردش. كريم وقف بيني وبينه. — ماما، ارجعي ورا. لكن عيني ما كانتش بتفارق الخاتم. — الخاتم ده… جبتَه منين؟ الرجل ابتسم ابتسامة هادية وقال: — حسن كان صديقي. حسيت إن الدم اتجمد في عروقي. — حسن ما كانش عنده أصحاب بالاسم ده. ضحك بخفة. — كان عنده أسرار أكتر مما تتخيلي يا نوال. بصيت لكريم. — إنت تعرفه؟ كريم ما ردش. وده كان كفاية. قلت له: — تعرفه من إمتى؟ الرجل هو اللي رد: — من قبل ما كريم يعرف إن له أبًا وأمًا بالتبني. اتصدمت. — إيه؟ الرجل قرب خطوة. — أنا كنت موجود يوم الحادثة اللي مات فيها والدا كريم الحقيقيين. كريم قال بسرعة: — كفاية! لكن الرجل كمل: — وأنا الوحيد اللي يعرف إن الحادثة ما كانتش حادثة. حسيت إن رجلي مش شايلاني. — يعني إيه؟ قال: — عربية والدي كريم الحقيقيين اتخبطت بعد ما الفرامل اتقطعت. بصيت لكريم. كان ساكت. — وإنت كنت تعرف؟ هز رأسه. — عرفت من فترة قصيرة. صرخت: — وكنت مخبي عليا؟! قال: — كنت بحاول أحميكي. ضحكت بمرارة. — تحميني؟! وإنت بعت لي شوكولاتة مسمومة؟! نزل عينيه للأرض. — أنا ما كنتش اللي حط السم. الرجل العجوز قال: — لأ، كريم كان مجرد أداة. بصيت له. — أداة لمين؟ ما ردش. في اللحظة دي، رن تليفون كريم. بص للشاشة، ووشه اتغير. قلت: — مين؟ قال: — رقم مجهول. — افتح. — ماما… — افتح يا كريم. ضغط على زر الرد وحط السماعة الخارجية. جاء صوت رجل هادئ: — كريم، خد أمك من المستشفى فورًا. كريم سأل: — إنت مين؟ الصوت ضحك. — الشخص اللي لو ما سمعتش كلامه، هتدفن ولادك الليلة. داليا شهقت. أنا حسيت إن الدنيا بتسود قدامي. الصوت كمل: — وخلي بالك… الشرطة مش هتقدر تحميكم. ثم قفل. كريم فضل ماسك الموبايل وهو ساكت. الرجل العجوز قال: — بدأوا يتحركوا. بصيت له بغضب. — مين "هم"؟! رد: — الناس اللي حسن كان بيحقق وراهم قبل موته. قلت: — حسن كان بيحقق في إيه؟ الرجل قرب مني وقال: — في شبكة بتزوّر عقود ملكية وبتستولي على بيوت كبار السن. اتسعت عيني. — وبيتي؟ — كان واحد من البيوت اللي كانوا عايزينها. بصيت لكريم. فجأة فهمت ليه ابني كان مصر إني أبيع البيت. لكن الرجل كمل: — حسن اكتشف إن الموضوع أكبر من كده. — أكبر إزاي؟ قال: — بعض أصحاب البيوت اللي رفضوا البيع… ماتوا. ساد الصمت. قلت: — وحسن؟ الرجل هز رأسه. — بدأ يجمع الأدلة. ثم أخرج هاتفه ووراني صورة. كانت صورة لحسن قبل وفاته بأيام. واقف جنب عربية سوداء. وفي الخلفية، كان فيه رجل تاني. قربت عيني من الشاشة. وعرفت الرجل فورًا. شهقت: — ده… الرجل قال: — أيوه. — ده دكتور حسن! الدكتور اللي قال إن جوزي مات بأزمة قلبية. الرجل هز رأسه. — بالضبط. في اللحظة دي، فهمت إن موت حسن ما كانش مجرد حادث. وإن الطبيب اللي أعلن وفاته… ممكن يكون جزءًا من المؤامرة. لكن الصدمة الأكبر كانت لسه جاية. لأن الرجل فتح صورة تانية. صورة قديمة جدًا. صورة من يوم حادثة والدي كريم الحقيقيين. وأنا بصيت للصورة… وبعدين بصيت للرجل. وقلت بصوت مرتعش: — استنى… — إيه؟ حطيت صباعي على الصورة. — العربية اللي في الصورة دي… كانت نفس العربية السوداء اللي شفتها قدام بيت كريم قبل يومين. والرجل ابتسم وقال: — أخيرًا بدأتي تفتكري. وفي اللحظة دي، وصلني إشعار على موبايلي. رسالة من رقم مجهول. فتحتها. وكان فيها صورة واحدة فقط. صورة لي وأنا خارجة من المستشفى. مأخوذة من الناحية التانية للشارع. وتحتها جملة: "قلنا لك يا نوال… ما تحاوليش تعرفي الحقيقة."الفصل التالي فضلت باصة للصورة على موبايلي، وإيدي بتترعش. الصورة كانت ليا وأنا خارجة من المستشفى. يعني الشخص اللي بعتها كان واقف قريب مني. قريب جدًا. رفعت عيني وبصيت ناحية الشارع من شباك الممر. عربيات كتير. ناس داخلة وناس خارجة. لكن وسط الزحمة، لمحت عربية سوداء واقفة على الناحية التانية. نفس العربية اللي ظهرت في الصور القديمة. قلت بصوت منخفض: — العربية دي… كريم بص من الشباك. وفجأة وشه اتغير. — ماما، ابعدي عن الشباك! شدني بعيد. في نفس اللحظة، العربية اتحركت بسرعة واختفت وسط الشارع. الرجل العجوز قال: — ما بقاش عندنا وقت. بصيت له: — إنت اسمك إيه؟ سكت لحظة. — اسمي فؤاد. — وفؤاد ده كان إيه بالنسبة لحسن؟ تنهد. — شريكه. اتصدمت. — شريكه في إيه؟ — في البحث عن الناس اللي كانوا ورا الحوادث دي. بصيت لكريم. — وإنت كنت تعرف فؤاد؟ قال: — قابلته بعد وفاة أبويا. — وكنت بتشتغل معاه؟ — أيوه. صرخت فيه: — يعني كل الفترة اللي كنت بتبعد فيها عني… كنت بتدور ورا الموضوع ده؟! هز رأسه. — كنت بحاول أوصل للي ق*تل أبويا. قلت: — طب ليه ما قلتليش؟ قال: — لأن كل شخص عرف الحقيقة قبلي مات. سكت. فؤاد أخرج ظرفًا قديمًا من جيبه. — حسن ساب ده معايا قبل موته بيوم. مده لي. فتحته. كان جواه جواب بخط حسن. أول ما شفت خطه، دموعي نزلت. بدأت أقرأ: "نوال… لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى أنا ما قدرتش أقولك الحقيقة بنفسي. أول حاجة لازم تعرفيها إن كريم مش السبب في اللي حصل. أنا عارف إنك هتشكّي فيه، وعارف إن تصرفاته هتخليكي تصدقي إنه خانك. لكن كريم كان بيحاول يحميكي. في شخص قريب مننا جدًا هو اللي لازم تخافي منه. شخص بيدخل بيتنا من غير ما يستأذن. وشخص وثقتِ فيه طول عمرك." وقفت عن القراءة. قلبي بدأ يخبط. مين الشخص اللي كان حسن بيتكلم عنه؟ كملت: "ولو حصل لي حاجة، ما تثقيش في أي ورق باسمي إلا لو عليه العلامة اللي اتفقنا عليها. والأهم… ما تسلميش البيت لأي حد. البيت مش مجرد بيت. جواه الحاجة اللي هما بيدوروا عليها." رفعت عيني. — جواه إيه؟ فؤاد قال: — ما نعرفش. — إزاي ما تعرفوش؟! — حسن كان الوحيد اللي عارف. كريم فجأة قال: — أنا عارف. بصيت له. — عارف إيه؟ قال: — أبويا خبّى حاجة في البيت. — إيه؟ — مش عارف بالضبط. — طب ليه ما فتشتوش؟ قال: — فتشت. — ولقيت إيه؟ سكت. قلت: — كريم! قال: — لقيت مكان سري ورا المكتبة. قلبي وقف لحظة. — مكتبة الصالة؟ هز رأسه. — أيوه. قلت: — وإيه اللي كان جواه؟ بص لي. — فاضي. ضحكت بمرارة. — يبقى كل ده عشان مكان فاضي؟ فؤاد تدخل: — مش فاضي. بصينا له. — إيه؟ قال: — حسن كان دايمًا بيقول إن الحاجة المهمة مش بتكون في المكان اللي الناس بتدور فيه. سكت لحظة، وبعدين بص لي مباشرة. — إنتِ عندك حاجة في البيت محدش يعرف عنها؟ بدأت أفكر. الأدراج. الخزائن. غرفة حسن. المرآة. صندوق المجوهرات. وفجأة… افتكرت حاجة. حاجة ما لمستهاش من يوم وفاة حسن. صندوق خشب صغير كان حسن محتفظ بيه في دولاب مكتبه. قلت: — صندوق حسن. كريم قال: — إيه الصندوق؟ — كان بيقول لي دايمًا ما أفتحوش إلا لو هو طلب مني. فؤاد قرب مني. — وإنتِ فتحتيه؟ هزيت رأسي. — لأ. كريم قال بسرعة: — لازم نرجع البيت دلوقتي. لكن قبل ما نتحرك، موبايل داليا رن. ردت. وبعد ثواني، وشها شحب. قالت: — نوال… — إيه؟ مدت لي التليفون. — المتصل قال إن فيه حد دخل بيتك. حسيت ببرودة في جسمي. — بيتي؟! — أيوه. كريم خطف المفاتيح. — ماما، إحنا مش هنروح لوحدنا. فؤاد قال: — أنا هاجي معاكم. ركبنا العربية واتجهنا لبيتي. طول الطريق ما اتكلمناش. ولما وصلنا، كان باب البيت مفتوح. مش مكسور. مفتوح بالمفتاح. دخلنا ببطء. كل حاجة كانت مكانها. الصالون. المطبخ. غرفة النوم. ولا حاجة ناقصة. لكن أول ما دخلت غرفة حسن، قلبي وقع. دولاب المكتب كان مفتوح. والصندوق الخشب… اختفى. كريم بص لي. — حد سبقنا. لكن فؤاد كان واقف عند الباب، ووشه اتغير. قال: — لأ. بصينا له. — اللي أخد الصندوق مش عايز اللي جواه. سألته: — أمال عايز إيه؟ رد: — عايزنا نعرف إنه كان هنا. وبعدين أشار إلى مكتب حسن. كان عليه ظرف أبيض جديد. وعليه اسمي. فتحت الظرف. وكان جواه سطر واحد: "لو عايزة تعرفي مين ق*تل حسن… اسألي ابنه عن اللي حصل ليلة الحادث." رفعت عيني ببطء ناحية كريم. هو كان واقف قدامي. ساكت. ولأول مرة… شفت الرعب في عينيه. قلت: — كريم… — أيوه؟ — إنت كنت موجود ليلة حادث أبوك؟ فضل ساكت. فؤاد بص له. ثم قال: — جاوبها. كريم أخيرًا رفع عيني لي. وقال: — أيوه يا ماما. — كنت موجود. ثم أضاف بصوت مكسور: — وأنا آخر شخص شاف أبويا حي.الفصل التالي حسيت إن الكلام نزل عليّ أثقل من أي مصيبة سمعتها في حياتي. — إنت… كنت آخر واحد شاف أبوك حي؟ كريم هز رأسه. — أيوه. — وليه ما قلتليش؟ نزل عينيه للأرض. — عشان أبويا طلب مني ما أقولكيش. صرخت: — طلب منك إيه؟! كريم أخد نفس طويل، وقعد على الكرسي اللي جنب مكتب حسن. — الليلة دي، أبويا اتصل بيا الساعة 11:20 بالليل. أنا فاكرة الساعة دي. لأنها كانت نفس الليلة اللي حسن رجع فيها البيت متأخر، وقال لي إنه تعبان ومحتاج ينام. كريم كمل: — قال لي أروح له في المخزن القديم اللي كان بيستخدمه في شغله. قلت: — مخزن إيه؟ — المخزن اللي في آخر المدينة. فؤاد قاطعه: — هو قال لك مين كان هناك؟ كريم هز رأسه. — قال لي إنه اكتشف اسم الشخص اللي كان بيمول كل العمليات. سألته: — مين؟ بص لي. — ما قالش. — ليه؟ — لأنه كان خايف إن المكالمة تكون متراقبة. حطيت إيدي على المكتب. — وبعدين؟ قال: — وصلت المخزن الساعة 11:47. اتجمدت. — وإيه اللي حصل؟ — الباب كان مفتوح. دخلت. لقيت أبويا واقف قدام المكتب. وكان معاه شخص تاني. — مين؟ كريم سكت. فؤاد قال: — قول لها. كريم بص له بغضب. — إنت عارف. فؤاد رد: — وهي لازم تعرف. كريم رجع يبص لي. — الشخص اللي كان مع أبويا… سكت. وبعدين قال: — كان الدكتور اللي أعلن وفاته. شهقت. — الدكتور؟! هز رأسه. — أيوه. بدأت دموعي تنزل. — كان بيعمل إيه عند حسن؟ قال: — بيتخانقوا. — على إيه؟ — أبويا كان بيطلب منه يسلمه ملف. — ملف إيه؟ — ملف فيه أسماء ناس ماتوا بنفس الطريقة. حسيت إن نفسي ضاق. — وبعدين؟ قال: — الدكتور ضرب أبويا. شهقت. — ضربه؟ — أيوه. — وإنت عملت إيه؟ بص لي. — حاولت أوقفه. سكت لحظة. — وبعدها حصلت خناقة. فؤاد قال: — وكريم خرج من المخزن. بصيت له. — خرج؟ كريم قال بسرعة: — أيوه، خرجت عشان أجيب الشرطة. — ولما رجعت؟ سكت. — أبويا كان واقع على الأرض. — ميت؟ هز رأسه. — لأ. قربت منه. — كان عايش؟ — كان لسه بيتنفس. دموعي نزلت أكتر. — وإنت عملت إيه؟ قال: — جريت عليه. — وبعدين؟ — مسك إيدي. كريم بدأ يبكي لأول مرة. — وقال لي: "ما تثقش في حد… حتى أمك." اتجمدت. — قال لك إيه؟ كريم غمض عينيه. — قال لي: "نوال لازم تفضل بعيدة عن الموضوع." سكتنا. ثم سألته: — وإنت سبت أبوك هناك؟ هز رأسه. — لأ. — أمال؟ — الدكتور رجع. رفع عينيه لي. — وأنا اختبأت. قلت: — اختبأت؟! — كنت خايف. — والدكتور عمل إيه؟ قال: — حقنه بحاجة. حسيت إن قلبي توقف. — وبعدها؟ — أبويا بطل يتحرك. ساد الصمت. ثم قال: — أنا اتصلت بالإسعاف، وهربت. قلت: — ليه هربت؟ بص لي بعينين مليانين ندم. — لأن الدكتور شافني. فؤاد قال: — ومن اليوم ده، كريم وهو بيحاول يثبت إن أبوك اتق*تل، كانوا بيطاردوه. بصيت لكريم. — طب ليه بعت لي الشوكولاتة؟ كريم سكت. قلت: — دي أهم حاجة. ما ردش. فؤاد قرب منه. — قول لها. كريم قال بصوت ضعيف: — الشوكولاتة كانت محاولة مني. — لمحاولة إيه؟ — كنت عايز أعرف مين بيراقبك. — إزاي؟ — حطيت مادة آمنة في قطعة واحدة، وعملت علامة مخفية عليها. بصيت له بصدمة. — إنت حطيت مادة في الشوكولاتة؟! — كانت مش سامة. — أمال السم جه منين؟ كريم رفع عيني. — حد بدّل العلبة. سكت. — يعني العلبة اللي بعتها لي… كانت سليمة؟ — أيوه. — والسم اتحط بعد كده؟ — أيوه. قلت: — مين كان عنده فرصة يلمسها؟ كريم بدأ يفكر. وفجأة بص لي. — داليا. صرخت: — داليا؟! قال: — هي الوحيدة اللي استلمت العلبة بعدك. لكن فؤاد هز رأسه. — لأ. بصينا له. قال: — في شخص تالت لمس العلبة. — مين؟ فؤاد أخرج هاتفه، وفتح صورة من كاميرا مراقبة. كانت الصورة لمدخل بيت كريم. وفيها داليا وهي بتستلم العلبة مني. لكن خلفها… كان فيه شخص واقف داخل البيت. وجهه مش واضح. إلا إن إيده كانت ظاهرة. وفي إصبعه… نفس الخاتم. خاتم حسن. رفعت عيني لفؤاد. — بس إنت قلت إن الخاتم معاك! فؤاد بص لإيده. الخاتم كان فعلًا في إصبعه. وببطء… بدأ وجهه يشحب. — مستحيل. قلت: — إيه؟ قال: — الخاتم اللي معايا… خلعه من إصبعه. وقلبه على كف إيده. ثم شهق: — ده مش خاتم حسن. سكتنا كلنا. قال فؤاد بصوت مرتعش: — حد بدّل الخاتم اللي كان معايا. وفي اللحظة دي، موبايل كريم رن. رسالة جديدة. فتحها. وكان فيها صورة واحدة. صورة لنا إحنا الأربعة واقفين في بيت حسن. وتحتها جملة: "دلوقتي عرفتوا ليه حسن مات؟ لأن واحد منكم كان واقف معاه وقت موته." كريم بص لنا واحد واحد. وفجأة… داليا بدأت تبكي. وقالت: — أنا عارفة مين كان مع حسن ليلة موته. بصينا لها. قالت بصوت مكسور: — بس لو قلت اسمه… هو مش هيق*تلني أنا بس. وسكتت لحظة. — هيق*تل نوال كمان.الفصل التالي بصيت لداليا وأنا حاسة إن قلبي هيخرج من مكانه. — قولي اسمه. داليا كانت بتعيط، وشفتها بتترعش. — نوال… أنا وعدته إني مش هقول. صرخت فيها: — وهو وعدك بإيه؟ إنه يسيبك تعيشي؟! سكتت. كريم قرب منها. — داليا، كفاية أسرار. قولي مين كان مع أبويا. رفعت عينيها لكريم. — مش شخص غريب. اتسمرت. — يعني إيه؟ قالت: — الشخص ده كان قريب من حسن جدًا. فؤاد سألها: — قولي الاسم. داليا غمضت عينيها، وبعدين قالت: — عماد. أنا حسيت إن الدنيا وقفت. عماد كان أخو حسن الأصغر. أخوه اللي كنت دايمًا بعتبره زي ابني. أخوه اللي حضر جنازة حسن. أخوه اللي وقف جنبي وقت الدفن، وكان بيقول لي: "ما تخافيش يا نوال، أنا جنبك." قلت بصوت مبحوح: — عماد مات من خمس سنين. داليا هزت رأسها. — عارفة. — إزاي يبقى هو؟ — لأن عماد ما ماتش. سكتنا كلنا. كريم قال: — مستحيل. داليا ردت: — أنا شفته بعيني. فؤاد قرب منها. — فين؟ — ليلة وفاة حسن. — كان فين؟ داليا بصت لي. — في بيتك يا نوال. رجعت خطوة. — لأ. — أيوه. — إنتِ بتكدبي. — يا نوال، أنا شفته وهو خارج من غرفة حسن. بدأت أفتكر الليلة دي. حسن كان تعبان. عماد كان المفروض وقتها يكون مسافر. لكن فعلًا… أنا فاكرة إني سمعت صوت باب غرفة حسن بيتقفل في نص الليل. افتكرت إن حسن هو اللي قام. ما كنتش أعرف إن حد تاني كان موجود. قلت: — طب إزاي عماد حي؟ داليا قالت: — لأنه هو اللي كان بيستخدم اسمه الحقيقي قبل ما يختفي. كريم قال: — طب ليه اختفى؟ ردت: — لأن حسن اكتشف إنه كان جزء من الشبكة. سكت فؤاد. ثم قال: — مش جزء. بصينا له. — كان واحد من اللي بدأوها. أنا حسيت إن الدنيا بتدور. — يعني أخو حسن ق*تل حسن؟ فؤاد قال: — غالبًا. قلت: — غالبًا؟! — لسه محتاجين دليل. فجأة سمعنا صوت عربية بتقف قدام البيت. كريم بص من الشباك. — في حد وصل. فؤاد قال: — اقفلوا الأنوار. كلنا سكتنا. العربية السوداء وقفت قدام البيت. باب السائق اتفتح. نزل رجل. كان طويل. ولابس معطف أسود. اتقدم ناحية الباب. ثلاث خبطات. دق. دق. دق. ولا حد اتحرك. بعد ثواني، صوت الرجل جاء من الخارج: — نوال… جسمي كله اتجمد. صوته. كنت أعرفه. صوت سمعته مئات المرات. صوت قريب جدًا من قلبي. همست: — مستحيل… كريم بص لي. — تعرفيه؟ ما قدرتش أرد. الخبطات اتكررت. — نوال… افتحي. دموعي نزلت. لأن الصوت كان صوت… حسن. كريم قال: — ماما، ما تفتحيش! لكن الرجل برا قال: — نوال، أنا عارف إنك سامعاني. قربت من الباب رغم خوفي. وسألته: — إنت مين؟ جاء الرد: — أنا الشخص اللي كان لازم يموت من سنتين. رجعت خطوة. فؤاد قرب مني. — ابعدي عن الباب. لكن الرجل قال جملة واحدة خلتني أفقد القدرة على التفكير: — نوال… أنا حسن. ساد الصمت. كريم بص لي بصدمة. داليا بدأت تبكي. أما أنا… فما كنتش عارفة أصدق أذني. حسن مات. أنا شفته. دفنته. حضرت جنازته. إزاي يكون واقف برا باب بيتي؟ ثم سمعنا صوتًا من الخارج: — لو مش مصدقاني، افتحي وشوفي. وفجأة… وصلتني رسالة على موبايلي. صورة حديثة للرجل الواقف أمام الباب. وكانت الصورة واضحة. رفعت الموبايل قدام عيني. الوجه… كان فعلًا وجه حسن. لكن تحت الصورة كان فيه تعليق: "ما تصدقيش وشه… صدقي الحقيقة اللي وراه." وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت زجاج بيتكسر من الناحية الخلفية للبيت. فؤاد صرخ: — حد دخل من ورا! كريم مسك إيدي. — ماما، لازم نخرج دلوقتي! لكن قبل ما نتحرك، سمعنا صوت خطوات جاية من الممر. خطوة… وبعدها خطوة… وبعدين ظهر رجل أمامنا. كان نفس الرجل اللي واقف برا الباب. نفس الوجه. نفس الطول. نفس الصوت. رفع عينيه لي وقال: — نوال… ثم ابتسم. — أخيرًا اتقابلنا بعد سنتين. أنا بصيت له وأنا مش قادرة أتنفس. وبعدين قلت: — لو إنت حسن… سكت. قلت: — قول لي آخر حاجة قلتها لي قبل ما تموت. الرجل ابتسم. لكن قبل ما يجاوب… كريم صرخ: — ما ترديش عليه يا ماما! ولأول مرة، الرجل فقد ابتسامته. لأن كريم قال: — ده مش أبويا. ثم رفع إيده وأشار لوجهه. — أنا عارف هو مين. وأضاف: — وده الشخص اللي ق*تل حسن فعلًا.الفصل التالي ما حدش فينا اتكلم. الرجل اللي قدامنا فضل واقف مكانه، وملامحه ثابتة. لكن كريم كان بيبص له بطريقة مختلفة تمامًا. قلت: — كريم… إنت متأكد؟ رد من غير ما يبعد عينه عن الرجل: — أيوه يا ماما. الرجل ابتسم. — ابنك دايمًا كان ذكي. كريم صرخ: — ما تنادينيش ابني! الرجل ضحك. — ليه؟ مش أنا اللي ربيتك؟ اتجمدت. — إيه؟! كريم قرب مني. — ماما، ده مش حسن. الرجل قال: — طبعًا مش حسن. ثم رفع إيده ومسح جزء من وجهه. كان فيه أثر واضح لمادة لاصقة قرب أذنه. شهقت. — إيه ده؟ ابتسم. — قناع. كريم قال: — هو مش عماد كمان. فؤاد بص له. — أمال مين؟ الرجل قال: — أنا اسمي سامح. كريم رد بسرعة: — سامح مراد. الرجل ابتسم. — أخيرًا افتكرتني. حسيت إن دماغي مش قادرة تستوعب. — مين سامح مراد؟ كريم بص لي. — الشخص اللي كان شريك أبويا في الشركة. سامح قال: — مش شريكه بس. ثم بص لي مباشرة. — أنا كنت أقرب شخص لحسن. قلت: — وإنت ق*تلت جوزي؟ سامح سكت. وبعدين قال: — حسن كان لازم يموت. شهقت. — ليه؟ — لأنه اكتشف الحقيقة. — حقيقة إيه؟ سامح قرب خطوة. — الحقيقة إن البيت ده مش بتاعك أصلًا. اتصدمت. — إيه؟ كريم قال: — ماما، ما تسمعيش له. سامح ضحك. — اسأليه. بصيت لكريم. — اسأله إيه؟ سامح قال: — اسألي ابنك مين كتب أول عقد ملكية للبيت. كريم سكت. أنا فهمت من سكوته إن فيه حاجة. قلت: — كريم؟ قال: — ماما، البيت كان ملك أبويا. سامح هز رأسه. — غلط. ثم قال: — البيت كان ملك عائلة كريم الحقيقية. حسيت إن قلبي اتقبض. — يعني إيه؟ — والدا كريم الحقيقيان كانوا أصحاب العقار قبل ما يموتوا. كريم بص له بصدمة. — إنت قلت إنهم ماتوا في حادثة. سامح قال: — الحادثة حصلت. — لكن مين عملها؟ سامح ابتسم. — الشخص اللي كان عايز العقار. سألته: — مين؟ قبل ما يرد، فؤاد دخل بيننا. — كفاية ألعاب. سامح بص له. — إنت لسه عايش؟ فؤاد قال: — ولسه فاكر كل حاجة. سامح ابتسم. — يبقى لازم تموت الليلة. وفجأة أخرج مس/دسًا. صرخت. لكن قبل ما يرفع إيده، كريم اندفع عليه. وقع الاتنين على الأرض. داليا صرخت. فؤاد شدني بعيد. سمعنا صوت طلقة. لكن الرصاصة ضربت الحائط. كريم كان ماسك إيد سامح، وبيحاول يمنعه. وفي لحظة، داليا ضربت سامح بكرسي من الخلف. وقع على الأرض. فؤاد جري ناحية الباب. — الشرطة جاية! سامح حاول يقوم. لكن كريم مسكه. — مش هتهرب. سامح ضحك. — إنت فاكر إن القبض عليا هيحل كل حاجة؟ كريم قال: — هيبدأ الحقيقة. سامح بص لي. — الحقيقة؟ ثم ابتسم. — الحقيقة إن الشخص اللي ق*تل حسن مش أنا. ساد الصمت. قلت: — إنت بنفسك قلت إنه كان لازم يموت! قال: — أيوه. — يبقى إنت ق*تلتَه! هز رأسه. — لا. ثم أشار إلى كريم. — اسألي ابنك. كريم اتجمد. — إنت بتكذب. سامح قال: — قول لها مين كان آخر شخص لمس حقنة حسن. بصيت لكريم. — كريم؟ ما ردش. سامح ضحك. — اسأليه. قربت من ابني. — كريم… دموعه نزلت. — ماما، أنا… صوتي اتكسر: — إنت عملت إيه ليلة موت أبوك؟ كريم غمض عينيه. وبعد ثواني قال: — أنا مسكت الحقنة. شهقت. — إيه؟! — لكن ما كنتش عارف إنها سم. سكت. — الدكتور اداني إياها وقال لي إنها دواء لإنقاذ أبويا. وقتها كل حاجة بدأت تتضح. كريم ما ق*تلش حسن عمدًا. كان مجرد شخص تم التلاعب به. لكن السؤال الأخطر بقى: مين اللي حط السم في الحقنة؟ وفجأة، سمعنا صوت سيارات الشرطة قدام البيت. سامح ابتسم. — خلاص… اللعبة بدأت. الشرطة دخلت البيت وألقت القبض عليه. لكن قبل ما يخرجوه، بص لي وقال: — نوال… — نعم؟ — لو عايزة تعرفي مين الرأس الحقيقي لكل ده… سكت لحظة. — دوري على اسم واحد بس. قلت: — مين؟ ابتسم. — حسن عبد الرحمن. اتصدمت. — جوزي؟ قال: — حسن كان مخبي عنك أكبر سر في حياتك. وبعدين خرج مع الشرطة. فضلت واقفة مكاني. كريم قرب مني. — ماما… لكنني بعدت عنه. — لأ. بص لي بحزن. قلت: — أنا محتاجة أعرف الحقيقة كاملة. وبصيت ناحية غرفة حسن. — حتى لو الحقيقة هتوجعني. دخلت غرفة المكتب وحدي. فتحت الدرج القديم. ولأول مرة من سنتين، فتشت في كل حاجة تخص حسن. وفي قاع الدرج… لقيت صورة قديمة. كانت صورة لحسن وهو شاب. واقف جنب ست ما أعرفهاش. وفي إيد الست… طفل صغير. قلبت الصورة. ولقيت جملة مكتوبة بخط حسن: "دي أم كريم الحقيقية… والطفل اللي معاها مش كريم." اتجمدت. لأن لو الكلام ده حقيقي… يبقى الطفل اللي أنا ربيته 67 سنة… مش كريم أصلًا.الفصل التالي فضلت ماسكة الصورة، ومش قادرة أرمش. بصيت للصورة مرة. وبعدين قلبتها. رجعت بصيت لوش كريم من بعيد. وبصيت للصورة تاني. — مستحيل… كريم قرب مني. — ماما؟ خبّيت الصورة بسرعة. — ما تقربش. اتصدم. — ليه؟ — عشان أنا محتاجة أفهم حاجة قبل ما أتكلم معاك. فؤاد كان واقف عند الباب، وبص للصورة اللي في إيدي. وشه اتغير فجأة. — إنتِ لقيتيها؟ لفيت له. — إنت تعرف الصورة دي؟ سكت. — فؤاد، جاوبني! قال بصوت منخفض: — أيوه. — مين الست دي؟ — أم كريم الحقيقية. قلبي خبط. — والولد اللي معاها؟ فؤاد بص للصورة طويلًا. — ابنها. — كريم؟ هز رأسه. — لأ. حسيت إن الأرض بتتحرك تحت رجلي. — أمال مين؟ فؤاد قرب مني. — طفل تاني. — يعني إيه؟ — يعني في يوم الحادثة… كان فيه طفلين في العربية. سألته: — طفلين؟ — أيوه. — وإنت كنت تعرف؟ قال: — حسن عرف بعد الحادثة. — طب ليه أخد طفل ورباه؟ فؤاد سكت. — عشان الطفل اللي كان المفروض يتاخد… اختفى. — اختفى إزاي؟ — حد أخده قبل ما الشرطة توصل. سكت. ثم قال: — حسن كان شاكك إن الطفل ده ما ماتش. بصيت للصورة. — يبقى كريم… صوتي اختنق. فؤاد قال: — كريم مش ابنك البيولوجي. غمضت عيني. كل لحظة من حياتي معاه مرت قدام عيني. أول مرة شلته فيها. أول مرة قال لي "ماما". أول يوم مدرسة. أول مرة رجع فيها مكسور من خناقة. كل ذكرياتي… فجأة بقت مليانة أسئلة. كريم وقف بعيد، ودموعه نازلة. — ماما، أنا كنت عارف. رفعت عيني له. — عارف إيه؟ — عارف إني مش ابنك الحقيقي. شهقت. — من إمتى؟ — من سنة تقريبًا. — وإنت خبيت عليا؟ — أبويا طلب مني. — حسن؟ — أيوه. — ليه؟ قال: — لأنه كان خايف إن لو عرفتي، الناس اللي بتدور عليا هتوصل لك. سألته: — ليه بيدوروا عليك؟ كريم سكت. ثم قال: — لأن الطفل اللي اختفى زمان… رفع عيني لي. — كان معاه مفتاح سر. — مفتاح لإيه؟ — لحسابات وأملاك وأسرار عيلة كبيرة جدًا. ضحكت من شدة الصدمة. — يعني كل اللي حصل ده عشان طفل؟ فؤاد قال: — لأ. ثم أضاف: — عشان اللي الطفل ده ورثه. بصيت له. — إيه؟ — ثروة ضخمة. سكت. — وحسن أخفى الطفل عنهم. — ورباه؟ — أيوه. بدأت أفهم. حسن ما كانش مجرد أب بيحمي طفل يتيم. كان بيحمي شخصًا من ناس خطيرين. قلت: — طب مين الطفل اللي في الصورة؟ فؤاد أشار إلى الصورة. — الطفل ده هو ابن الست. — يعني مش كريم؟ — لأ. — طيب مين كريم؟ فؤاد قال: — كريم هو الطفل اللي كان في العربية التانية. اتجمدت. — يعني حسن أخد كريم بالغلط؟ — مش بالغلط. سكت. — حسن كان يعرف مين كريم. — إزاي؟ — لأن كريم كان ابن شخص حسن كان بيثق فيه. قلت: — مين؟ فؤاد فتح فمه، لكنه ما لحقش يرد. لأن باب البيت اتفتح فجأة. دخلت الشرطة. لكن واحد من الضباط قرب مني وقال: — مدام نوال، لازم تيجي معانا. قلت: — ليه؟ قال: — لقينا حاجة في المستشفى. — إيه؟ أخرج ظرفًا. — ده كان موجود في متعلقات حفيدك يوسف. فتحته. جواه ورقة. وعليها نتيجة تحليل DNA. الاسم الأول: كريم عبد الرحمن. والاسم الثاني: نوال عبد الرحمن. قرأتها وأنا مش فاهمة. بصيت للضابط. — النتيجة بتقول إيه؟ قال: — إن كريم ابنك البيولوجي. اتسعت عيني. — إيه؟! كريم نفسه تجمد. الضابط كمل: — لكن فيه حاجة تانية. قلب الورقة. — التحليل اتعمل من عينة قديمة محفوظة باسم حسن عبد الرحمن. ثم نظر لكريم. — والنتيجة بتقول إن حسن… سكت. — مش والد كريم البيولوجي. حسيت إن قلبي وقف. بصيت لكريم. ثم للصورة. ثم للضابط. فجأة فهمت إن كل اللي عرفناه لحد دلوقتي كان مبني على كذبة واحدة ضخمة. لكن السؤال الحقيقي ما بقاش: مين ق*تل حسن؟ السؤال بقى: مين هو الأب الحقيقي لكريم؟ وفي نفس اللحظة، موبايل فؤاد رن. رد. ثواني قليلة، ووشه انقلب. قال: — إيه؟ ثم بص لي. — لازم نخرج من البيت فورًا. سألته: — ليه؟ قال: — لأن سامح هرب من الشرطة. اتجمدنا. ثم أضاف: — وساب رسالة. — فين؟ قال: — في عربية الشرطة. وسكت لحظة قبل ما يقول: — كتب فيها إن الشخص الوحيد اللي يقدر يثبت مين أبو كريم الحقيقي… هو حسن نفسه. رفعت عيني للضابط. — بس حسن مات. الضابط رد بهدوء: — إحنا مش متأكدين من كده. وفي اللحظة دي… سمعنا صوت هاتف قديم بيرن داخل غرفة حسن. الهاتف اللي ما اشتغلش من يوم وفاته. جرينا ناحية الغرفة. الرنة استمرت. فؤاد فتح الدرج. والهاتف كان جواه. رفعته. الشاشة أظهرت رقمًا واحدًا. رقم حسن. ثم جاء صوت من السماعة: — نوال… اتسمرت. الصوت كان واضحًا. صوت جوزي. — لو سمعتي الرسالة دي، يبقى سامح فشل. دموعي نزلت. الصوت كمل: — وأنا عندي أقل من ساعة قبل ما يوصلوا لي. ثم سكت لحظة. — أيوه يا نوال… أنا لسه عايش.الفصل التالي فضلت واقفة قدام التليفون، مش قادرة أتنفس. صوت حسن… نفس النبرة. نفس الطريقة اللي كان بيناديني بيها. — حسن؟! ما جاش رد. بدل كده، التسجيل كمل: — لو إنتِ سامعة صوتي دلوقتي، يبقى لازم تعرفي إن كل اللي حصل في السنتين اللي فاتوا كان جزء من خطة. صرخت: — خطة إيه؟! كريم قرب مني. — ماما، ده تسجيل. الصوت كمل: — نوال، أنا عارف إنك هتسألي نفسك ليه سبتك سنتين من غير ما تعرفي إني عايش. سكت ثواني. — لأن الشخص اللي كان بيهددك كان قريب منك جدًا. بصيت لكريم. ثم بصيت لفؤاد. الصوت قال: — وأنا ما كنتش عارف أثق في مين. اتسعت عيني. — حتى فؤاد؟ فؤاد نزل رأسه. حسن كمل: — فؤاد ساعدني، لكن ما كانش يعرف كل حاجة. ثم جاء صوت تنفس متقطع. — نوال… لازم تسمعيني كويس. قربت التليفون من ودني. — البيت اللي عايشة فيه مش مجرد بيت. ابتلعت ريقي. — تحته غرفة. فؤاد رفع عيني فجأة. — غرفة؟ الصوت كمل: — غرفة عملتها من سنين، وخبيت فيها كل المستندات اللي تثبت مين كان وراء موت الناس اللي رفضوا يبيعوا بيوتهم. قلت: — فين الغرفة دي؟ — تحت غرفة حسن. بصيت ناحية الأرض. — لكن مدخلها مش من غرفة المكتب. سكت لحظة. — المدخل تحت السرير. كريم اندفع ناحية غرفة النوم. — أنا هروح أشوف. فؤاد أمسك دراعه. — استنى. — ليه؟ — لو حسن كان عامل غرفة سرية، أكيد مأمّنها. جريت أنا ناحية غرفة حسن. رفعت المرتبة بصعوبة. ما لقيتش حاجة. كريم بدأ يدور تحت السرير. وفجأة سمعنا صوت "طَق". جزء من الأرضية اتحرك. ظهر تجويف صغير. جواه مفتاح معدني قديم. رفعته. كان عليه حرف واحد: ح. حسن. فؤاد قال: — المفتاح ده أكيد للباب. بدأنا نفتش في الأرض. وبعد دقائق، لقينا قطعة خشب صغيرة مختلفة عن باقي الأرض. كريم ضغط عليها. انفتح باب سري. ظهر سلم نازل لتحت. كان المكان مظلمًا وباردًا. شغلت كشاف الموبايل. نزلنا. وفي آخر السلم، ظهرت غرفة صغيرة مليانة صناديق وملفات. على الحائط كانت فيه صور. صور لأشخاص كتير. بعضهم أعرفهم. أصحاب محلات. رجال أعمال. ناس ماتوا فجأة. وفي النص… كانت صورة حسن. تحتها تاريخ. اليوم الأول من التحقيق. فؤاد قرب من الحائط. — حسن كان بيرتب كل حاجة. كريم فتح أول صندوق. كان مليان أوراق. عقود. تحويلات بنكية. صور. وأسماء. وفجأة لقيت ملف عليه اسمي. فتحته بإيدي المرتعشة. جواه نسخة من شهادة ميلادي. ثم شهادة زواجي من حسن. ثم ورقة قديمة جدًا. قرأتها. وكان فيها اسم مختلف عن اسم عائلتي. بصيت لفؤاد. — دي مش شهادتي. قال: — لأ. — دي إيه؟ قال: — شهادة ميلادك الأصلية. حسيت بالدوخة. — ليه اسمي فيها مختلف؟ قبل ما يرد، وقع شيء من الملف. كانت صورة قديمة لي وأنا طفلة. وراء الصورة مكتوب: "نوال هي المفتاح." بصيت لفؤاد. — مفتاح لإيه؟ فجأة… اشتغل جهاز تسجيل صغير كان موجود على الرف. وصوت حسن خرج منه: — لو وصلتي للغرفة دي يا نوال، يبقى خلاص، مفيش وقت أخبي عليكي أكتر. دموعي نزلت. — أنا ما اتجوزتكيش صدفة. اتجمدت. — إنتِ كنتِ الشخص الوحيد اللي أقدر أثق فيه. ثم قال: — لكن فيه حاجة ما كنتش عارفها عنك وقت جوازنا. سكت التسجيل. ثم عاد صوت حسن: — والدك كان واحد من مؤسسي الشبكة. شهقت. وقعت الأوراق من إيدي. — أبويا؟! فؤاد بص لي بصدمة. — مستحيل. التسجيل كمل: — وبعد ما حاول يخرج منهم، ق*تلوه. حطيت إيدي على بوقي. — يعني أبويا مات مقتول؟ — أيوه. ثم جاء صوت حسن أكثر هدوءًا: — والبيت اللي عيشتي فيه كل السنين دي… سكت. — كان في الأصل ملك والدك. كريم بص لي. — ماما… لكنني ما كنتش قادرة أتكلم. الصوت كمل: — هم ما كانواش عايزين البيت. — كانوا عايزين الحاجة اللي أبوكي خبّاها فيه. وفجأة سمعنا صوت باب الغرفة السرية بيتقفل. اتلفتنا كلنا. كان فيه شخص واقف عند مدخل السلم. صوت مألوف قال: — حسن كان غبي. رفعت الكشاف ناحية وجهه. شهقت. كان الرجل اللي ظنناه حسن. لكن المرة دي ما كانش لابس القناع. كان وجهه الحقيقي واضح. وفجأة فهمت ليه كريم قال إنه مش حسن. لأنني كنت أعرف هذا الوجه. أعرفه من طفولتي. هو الشخص اللي كان بيزور أبويا زمان. الشخص اللي كنت فاكرة إنه صديق العائلة. صرخت: — إنت! ابتسم. — أيوه يا نوال. ثم رفع ملفًا في إيده. — وأنا جاي آخد آخر حاجة خبّاها أبوكي. قلت: — إيه؟ ابتسم وقال: — إنتِ. وفي نفس اللحظة، انطفأت الأنوار. وسمعنا صوت قفل الباب الحديدي. كريم صرخ: — ماما! ثم جاء صوت الرجل من الظلام: — لو عايزة تعرفي ليه حسن فضل عايش سنتين بعيد عنك… سكت لحظة. — اسأليه بنفسك. وفجأة اشتغل جهاز عرض صغير في آخر الغرفة. وظهرت صورة مباشرة لرجل مربوط على كرسي. رفعت عيني للشاشة. قلبي توقف. كان حسن. حي. وعينيه مفتوحة. وكان بيبص للكاميرا مباشرة. ثم قال: — نوال… ما تثقيش في كريم.