في الساعة 8:14 مساءً. حكايات_ميراا
في الساعة 8:14 مساءً من يوم الخميس، دخلت طفلة عمرها أربع سنوات إلى غرفة الطعام الخاصة بالمليونير أدهم المنصوري دون أن تستأذن، وضعت علبة طعامها الوردية بجوار كأسه الكريستالي، ثم سألته السؤال الوحيد الذي لم يجرؤ أي شخص بالغ على توجيهه له منذ سنوات.
“هو حضرتك وحيد؟”
لم يسمعها أدهم.
كان يجلس في أقصى طرف مائدة من خشب الماهوجني تتسع لستة عشر شخصًا، تحت ثريا فاخرة مستوردة من إيطاليا، يتناول شريحة لحم مطهية بإتقان وسط صمتٍ مطبق.
من شقته الفاخرة في الطابق الثاني والأربعين، كانت أضواء القاهرة تمتد أمامه كبحر من النجوم. في الداخل، كل شيء يلمع. الأثاث اختاره أشهر المصممين، واللوحات انتقاها خبراء الفن، وحتى زجاجة النبيذ رشحها له أشهر المتخصصين.
كل شيء في المنزل كان باهظ الثمن…
لكن لا شيء فيه كان يشعره بالحياة.
رفع أدهم رأسه عندما لمح حركة عند باب المطبخ.
كانت الطفلة تقف هناك بفستان أصفر، وشعرها الأسود مجمع في ضفيرتين غير متساويتين. كانت تضم علبة الطعام بيدها وكأنها تخشى أن يأخذها أحد منها، بينما كانت عيناها البنيتان الواسعتان تحدقان فيه.
قالت شيئًا مرة أخرى.
راقب أدهم حركة شفتيها، لكنها تكلمت بسرعة فلم يفهم.
كان قد فقد معظم سمعه بعد إصابته بالتهاب سحائي حاد وهو في السابعة من عمره. كانت السماعات الطبية تساعده، لكنها تجعل العالم يبدو كضوضاء معدنية مزعجة… صوت الملاعق، وطنين المكيف، وحدّة أصوات البشر التي لم تعد تبدو طبيعية بالنسبة إليه.
ولهذا…
كان يخلع السماعات بمجرد أن يعود إلى منزله.
فالصمت كان أسهل.
الصمت لا يحدق في الأجهزة المثبتة خلف أذنيه.
الصمت لا يتضايق عندما يطلب من الناس إعادة كلامهم.
والصمت… لا يخبره أن حبه يحتاج إلى مجهود أكبر من اللازم.
اقتربت الطفلة أكثر.
التفت أدهم نحو المطبخ. كانت مدبرة منزله مايا عبد الرحمن قد جاءت لتنظيف الشقة ذلك اليوم، لكنها كانت تغادر دائمًا قبل السابعة مساءً. ولم يسبق أن دخل أي طفل إلى منزله.
وقفت الطفلة بجوار المائدة، ثم رفعت أربع أصابع.