في الساعة 8:14 مساءً. حكايات_ميراا
ثم سألت ببراءتها المعتادة:
“يعني… الرسمة صح؟”
ضحك أدهم لأول مرة من قلبه منذ أيام.
أغلق الدفتر برفق، وربت على رأسها.
“دي أجمل رسمة شوفتها في حياتي.”
قفزت يارا من مكانها وهي تصفق بسعادة.
“يبقى هعلقها في الصالة!”
قالت مايا مبتسمة:
“بس خلي بالك من المسامير.”
فأجابت الطفلة بسرعة:
“هعلقها بشريط لاصق… عشان البيت ما يزعلش.”
نظر أدهم إلى الجدار الذي كان يمتلئ سابقًا بلوحات باهظة الثمن اشتراها في مزادات عالمية.
لوحات لم يتوقف يومًا ليتأملها.
أما هذه الورقة البيضاء…
فشعر أنها أغلى من كل ما امتلك.
اقترب بنفسه، وأخذ الشريط اللاصق من الدرج.
ثم ثبت الرسمة في منتصف الحائط.
وقال بهدوء:
“مكانها هنا.”
مرّت عدة أسابيع.
وأعلنت مؤسسة “المنصوري للحياة” عن افتتاح أول مركز مجاني لرعاية الأطفال فاقدي المأوى والتعليم النفسي.
لكن الجميع فوجئوا بشيء غريب.
فعلى المدخل الرئيسي للمبنى…
لم يكن اسم أدهم مكتوبًا وحده.
بل كُتب على اللوحة:
“مركز سليم المنصوري للأمل.”
اقترب أحد الصحفيين منه بعد الافتتاح.
وسأله:
“حضرتك كان ممكن تسمي المركز باسمك… ليه اخترت اسم أخوك؟”
ظل أدهم صامتًا للحظة.
ثم قال:
“لأن في ناس بتسيب فلوس… وفي ناس بتسيب درس.”
نظر إلى الأطفال الذين كانوا يركضون في ساحة المركز.
وأضاف:
“وأخويا سابلي أهم درس اتعلمته في حياتي.”
في المساء…
وقف وحده أمام قبر سليم.
وضع باقة زهور بيضاء.
وجلس على المقعد الحجري المجاور.
وقال بصوت منخفض:
“سامحني… اتأخرت قوي.”
حركت الرياح أوراق الأشجار.
وساد المكان صمت مهيب.
لكن هذه المرة…
لم يكن الصمت مؤلمًا.
شعر وكأن أخاه يسمعه.
ابتسم أدهم وهو ينهض.
وقال:
“نفذت وصيتك.”
ثم غادر المقبرة بخطوات ثابتة.
بعد شهرين…
كانت مايا تعد العشاء في المطبخ.
بينما كانت يارا تذاكر دروسها.
دخل أدهم وهو يحمل ظرفًا صغيرًا.
ابتسم وقال:
“عندي خبر.”
رفعت مايا رأسها.
“خير؟”
وضع الظرف أمامها.
فتحته ببطء.
ثم اتسعت عيناها.
كانت أوراق تبنّي يارا قد اكتملت رسميًا.
لم تعد الطفلة مهددة بالانتقال إلى أي دار رعاية أو قريب بعيد.
أصبحت تملك أسرة يعترف بها القانون… كما اعترف بها القلب منذ زمن.
اختنق صوت مايا.
“يعني… خلاص؟”
هز أدهم رأسه مبتسمًا.