في الساعة 8:14 مساءً. حكايات_ميراا
ضحك بصوت عالٍ.
وقبل أن يجيب…
دخلت يارا وهي تحمل صينية الإفطار.
وقالت:
“إوعي تصدقه… هيألف أي حاجة.”
ابتسم أدهم وقال:
“أنا؟ ده أنا معايا الدليل.”
فتح درج الطاولة.
وأخرج علبة الطعام الوردية القديمة.
ما زالت تحتفظ بلونها، رغم مرور السنوات.
أمسكت ليان بها باستغراب.
“دي إيه؟”
نظر إليها أدهم طويلًا.
ثم قال:
“دي أغلى حاجة عندي.”
تعجبت الطفلة.
“أغلى من العربية؟”
“أيوه.”
“وأغلى من الفيلا؟”
“أيوه.”
“وأغلى من فلوسك كلها؟”
ابتسم، وأجاب دون تردد:
“أغلى من كل ده.”
اقتربت يارا وجلست بجواره.
كانت تعرف الحكاية…
لكنها أحبّت أن تسمعها مرة أخرى.
قال أدهم وهو ينظر إلى العلبة:
“من سنين طويلة… دخلت طفلة صغيرة أوضة راجل كان فاكر إن الفلوس تقدر تشتري كل حاجة.”
ابتسم وهو يربت على رأس حفيدته.
“الطفلة دي ما طلبتش فلوس… ولا هدية.”
“أمال طلبت إيه؟”
قال وهو ينظر إلى يارا:
“طلبت منه يبطل يعيش لوحده… من غير ما تقصد.”
ساد الصمت.
ثم احتضنت ليان جدها.
وقالت بعفوية:
“أنا بحبك يا جدو.”
أغلق عينيه للحظة.
وشعر أن قلبه امتلأ بالسلام.
وفي المساء…
دخل أدهم إلى مكتبه للمرة الأخيرة.
جلس أمام المكتب الخشبي الذي قضى خلفه عشرات السنين.
كتب رسالة قصيرة.
ووضعها داخل العلبة الوردية.
ثم أغلقها بعناية.
دخلت مايا، وقد غزا الشيب شعرها أيضًا.
وقالت:
“بتعمل إيه؟”
ابتسم.
“بسيب رسالة.”
“لمين؟”
أجاب وهو ينظر نحو غرفة المعيشة، حيث كان يسمع ضحكات أبنائه وأحفاده:
“لأي حد يفتكر يومًا إن الفلوس هي اللي بتبني البيوت.”
بعد سنوات…
عندما رحل أدهم بهدوء وهو نائم، كما كان يتمنى دائمًا…
اجتمعت العائلة كلها في الفيلا.
وكان أول ما طلبته يارا…
هو إحضار العلبة الوردية.
فتحوها.
فوجدوا الرسالة الأخيرة.
قرأتها يارا بصوت يرتجف:
“لو بتقرؤوا الرسالة دي… يبقى أنا مشيت وأنا مطمن.
سيبت شركات… وسيبت بيوت… وسيبت أموال. لكن دي مش أهم حاجة.
أهم حاجة إني ما سيبتش حد وحيد.
لو عايزين تحافظوا على اسمي… ما تكتبهوش على مبنى جديد.
اكتبوه في قلب طفل خاف… فاطمن. وفي قلب أم بكت… فضحكت. وفي قلب إنسان افتكر إن الدنيا خلصت… فلقى حد ماسك إيده.
ساعتها بس… هعرف إن حياتي كان ليها معنى.”