حماتي وأخت جوزي
ـ أيوه.
ـ وليه كانت مهمة أوي؟
نظرت إليه وقالت:
ـ لأن يا ياسين… الإنسان ممكن ينسى طعم الأكل بعد يومين، لكن ممكن يفتكر إحساسه لما حد خلاه يحس إنه مش مهم.
ظل الطفل صامتًا يفكر.
ثم قال:
ـ يعني لما نستنى حد… إحنا بنقوله إنه مهم؟
ـ بالضبط.
في نفس اليوم، كان ياسين ذاهبًا مع والده إلى المدرسة.
وفي الطريق، رأى زميلًا له يجلس وحده عند بوابة المدرسة.
اقترب منه وسأله:
ـ مالك؟
قال الطفل بحزن:
ـ نسيت فلوسي ومش معايا أجيب الفطار.
فتح ياسين حقيبته، وأخرج نصف طعامه وأعطاه له.
قال له:
ـ ناكل سوا.
ابتسم الطفل.
وفي المساء، حكى ياسين لوالده ما حدث.
احتضنه عمر وقال:
ـ عارف؟
أنت النهارده عملت نفس الحاجة اللي علمتنا إياها جدتك ياسمين.
ـ إيه هي؟
ـ إن الإنسان يحس إن له مكان.
وفي تلك الليلة، كتب عمر في دفتر العائلة:
“اليوم انتقلت الحكاية إلى جيل جديد.”
ولم يكن يعرف أن بعد سنوات طويلة…
سيأتي أحفاد آخرون، ويفتحون هذا الدفتر، ويجدون نفس الرسالة:
أن أجمل ما يتركه الإنسان بعد رحيله…
ليس المال ولا البيوت…
بل أثر صغير يجعل العالم حوله أكثر رحمة.
يتبع…بعد سنوات طويلة…
كبر ياسين، وأصبح شابًا يعمل في مجال التعليم.
كان دائمًا يقول لطلابه:
ـ النجاح مش بس إنك تكون الأول… النجاح الحقيقي إنك تخلي اللي حواليك يحسوا إنهم لهم قيمة.
وكان يحتفظ في مكتبه بدفتر قديم ورثه عن والده عمر.
على أول صفحة منه كانت مكتوبة جملة واحدة:
“لا تجعل أحدًا يشعر أنه جاء متأخرًا على مكان كان ينتظره.”
وفي يوم من الأيام، حدث موقف جعله يتذكر كل الحكاية.
كان في المدرسة حفل تكريم للطلاب.
تجمّع أولياء الأمور، وامتلأت القاعة بالتصفيق والفرح.
لكن قبل بداية الحفل بدقائق، لاحظ ياسين طالبًا صغيرًا يقف بعيدًا وحده.
اقترب منه وسأله:
ـ مالك يا أحمد؟
قال الطفل بصوت منخفض:
ـ ماما مش هتيجي… قالت إنها مشغولة.