حماتي وأخت جوزي
كانت عليها كلمات باهتة كادت تمحوها السنين:
“لا يبدأ الطعام حتى يجلس آخر ضيف، ولا تُكسر كرامة أحد في هذا البيت.”
قال الطفل:
ـ مين كتبها؟
أجابته:
ـ ست اسمها ياسمين… كانت جدتنا الكبرى.
جلس الطفل على الأرض وقال:
ـ احكيلي عنها.
فبدأت الجدة تروي الحكاية من أولها…
عن السفرة التي أصبحت فارغة.
وعن الدموع التي نزلت في صمت.
وعن المرأة التي رفضت أن تعتبر الإهانة أمرًا عاديًا.
وعن الرجل الذي تعلم، ولو متأخرًا، أن حماية زوجته واجب لا اختيار.
انتهت الحكاية.
فسأل الطفل:
ـ يعني لو الليلة دي ما كانتش حصلت… كان اسم البيت هيبقى حاجة تانية؟
ضحكت الجدة وقالت:
ـ يمكن…
لكن ربنا بيخرج من أصعب المواقف أجمل الدروس.
وفي نهاية الزيارة، خرج الأطفال جميعًا إلى الحديقة.
وبقيت الجدة وحدها تنظر إلى البيت.
ثم همست:
ـ أصحاب البيت رحلوا…
لكن أخلاقهم لسه ساكنة فيه.
وأغلقت الباب بهدوء.
لتبقى الحكاية حيّة…
كلما اجتمعت عائلة حول مائدة، وانتظرت آخر شخص قبل أن تبدأ الطعام.
ستظل النهاية… بدايةً لكل بيت يختار الاحترام.وبعد أجيال كثيرة…
لم يعد أحد يعرف شكل ياسمين الحقيقي.
ولا شكل كريم.
ولا حتى لون الشقة الصغيرة التي بدأت فيها الحكاية.
لكن بقي شيء واحد…
القصة.
كانت تُروى في كل مناسبة عائلية، حتى أصبح الأطفال يطلقون عليها اسم:
“حكاية السفرة الفاضية.”
وفي إحدى الليالي، جلس أصغر أفراد العائلة يسأل كبيرهم:
ـ هي القصة دي حقيقية؟
ابتسم الرجل العجوز وقال:
ـ يمكن بعض التفاصيل اتغيرت مع الزمن…
لكن الحقيقة اللي فيها عمرها ما اتغيرت.
ـ وإيه هي الحقيقة؟
قال وهو ينظر إلى المائدة التي التف حولها الجميع:
ـ إن البيت ممكن يتهد بسبب كلمة…
وممكن يتبني من جديد بموقف شجاع.
نظر الأطفال إلى بعضهم.
ثم لاحظوا أن أصغر بنت في العائلة لم تكن قد جلست بعد.
فمد أحدهم يده ليبدأ بالأكل.